منتديات جازان


 
العودة   منتديات جازان > المنتديــــات العامـــــــة > المنتدى الأدبي والثقافي
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم مركز رفع الملفات البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة
     

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-03-2010, 09:03 AM   #1
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصة القصيرة بين الهامش والمتن

بسم الله الرحمن الرحيم,,,


القصة القصيرة بين الهامش والمتن(1 )


(1 )

عاودت لجنة إبداع بالنادي الأدبي بالطائف ، يوم الثلاثاء من الأسبوع الثالث أولى فعاليات نشاطها لهذا العام ، وبدأت هذا النشاط بمحاضرة منبرية عن التاريخ النقدي للفن القصصي ، للأستاذ قليل الثبيتي ؛ وقد قيل في هذا البدء أمور كثيرة ، يهمنا منها هنا ما يتعلق بهذا الفن الذي تجاذبه المتن والهامش ؛ ذلك أن اللجنة ركزت نشاطها على فن القصة القصيرة ، إبداعا ، ونقدا ، وورش عمل وحوار ، إيمانا منها بمساحة من الفضاء الثقافي تمنح لهذا اللون الإبداعي ،بقدر إنجازه ، واتساقا مع تحولاته ،واستنطاقا لأسئلته ، وتجاذبات المرحلة الثقافية حول هذا الأفق ؛ ذلك أن الاتجاه نحو كتابة القصة القصيرة كان تحولا من التحولات العديدة التي شهدتها الكتابة الإبداعية في الثقافة العربية ؛ فبعد أن كان الشعر والخطابة يتربعان على القمة ، مع وجود هوامش لألوان من النثر في الرسائل ، والأخبار ، والقصص الحكائي التعليمي والترفيهي ؛ في مثل ألف ليلة وليلة ، والمقامات ، والقص على ألسنة الحيوان ،وحكاية طرائف وغرائب الحمقى والمهمشين ، جاء التاريخ الحديث ليجعل للقصة القصيرة مكانا يشكل الرؤيا ، ويبني الأحداث من خلال سرد لحيوات شخصيات ، ومسارات حياة ، تغادر بها الرؤيا التنظير لتكون واقعة على الأرض ، تعيش بوعي الإنسان في وجوده ، وتلابيب ذاكرته ، يفرغ فيها الإنسان فزعه من دوامة الحياة ، وخضوعه تحت طائلة المصير والمشاهدة ، ليكون مشكلا لرؤيا ومبدعا لأحداثها ومساراتها . .. جاءت القصة فاحتضنت نوازع القلق الإنساني ،وانتزعت أبطالها من دوائر القهر والتسلط والتهميش ؛ ليكونوا وجودا في الذاكرة الإنسانية ؛ لا نقرأ تهميشهم وجور التسلط عليهم إلا ليكون ذلك وعيا بالحق الإنساني ، ومساءلة للضمير ، وتشكيلا لوعي جديد ؛ وانتزعت الإنساني من دائرة حدث ، وصار ؛ إلى أن يكون مستبقى بعد لحظة ذلك الحدث ؛ فيفارق وجوده الطللية والعدمية ، ويعانق الوجود الإنساني في امتداده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . إن تحول المصير إلى ذاكرة والعلاقة الحية المكتوبة إلى علاقة جديدة مع قارئ ومتأمل ، يجعل تلك اللحظة التي كتبت في دائرة اشتغال ووعي .

وإذا كانت الرواية تستعرض قطاعا عريضا وحيوات متباينة تصهرها رؤية الكاتب .. فإن القصة تفعل ذلك على نحو مكثف ، مع الأخذ في الحسبان أنها ليست اختصارا لا في الزمن ولا مساحة السرد ، ولا تنوع الرؤيا ، ولكنها تفعل ذلك عبر ومضة تلتف على الزمن ، وتطويه ، وعلى الحدث فتنفي هوامشه من خلال فعلها المستقطب ، وتشكيلها الصاهر لمفردات العالم والأحداث ؛ لتكون شريحة الوجود التي تعصم وجودها من التناثر في اللحظات .

وإذا خرجنا من هذا الأفق لنكون في مساره حين نتابع منجزات القصة السعودية في التشكيل والوعي ، فإن المتابع سيقف على وعي تتحرك به ، وأفق تسايره ، لعلي في هذه المتابعة أستطيع أن أستجلي شيئا من أبعاده وأسئلته .

حينما عاقر أبناء الجزيرة العربية الثقافة العربية ، بعد بُعد عنها في الجهل والأمية ، كان الشعر والخطابة ومرويات التاريخ ، وبعض متون العلوم ومنظوماتها هي التي تعاقر النخب الثقافية على قلة أفرادها ..لكن ما تحمله أولئك النفر من مسؤولية ، ومحاولة استرجاع لدور همش لإنسان هذه البقاع كان يمنحهم حافزا قويا لاستجلاء الأفق الثقافي ، والسير في اتجاهه ؛ فكان أن شهدنا الميل لكتابة القصة ؛ وإذ نشير هنا إلى نماذج من هذه البدايات ؛ فليس الغرض من ذلك التعداد وإنما الإشارة إلى هذا الاتجاه ، والإشارة تحديدا إلى ما يكمن خلف هذا المنزع القصصي في الكتابة .؛ فهذا التوجه رغم أن القصة لم تكن من القوالب المحترمة في الكتابة ، فكانت في الهامش ؛ فإذ بها ترتقي إلى أفق الثقافة المكتوبة ؛ فدل هذا على رغبة في معاقرة التجديد ، ليس على المستوى الشكلي وإنما على مستوى الرؤية التي تحيل الكتابة إلى فعل متحرك ، لا تغريه زخارف الشعر والبلاغة والخطابة ، ولا استرضاء الأعلى ، ولا المرواغة بإظهار أمجاد الثقافة البلاغية ، وإنما أصبح يغريه الحوار وحكايات المصائر ، وتطلعات الإنسان على اختلاف مستوياته ؛ ففي مجموع أدبي أصدره الحجازيون إبان دخول الملك عبد العزيز الحجاز وضمه لكيان هذا الكيان الكبير الذي نتفيأ ظلاله نجد فيه إلى جانب الشعر نزوعا نحو الكتابة بأساليب جديدة ، وتبنيا للارتقاء بالحيوات ومشكلات الحياة ، وأسئلة التحضر والوعي ، إلى أفق الحوار ، وهموم النخبة ، التي شعر هؤلاء بهذه الطرائق والمغامرات أنهم يستطيعون تعديل مسار رؤاها وأفكارها ؛ فجاءت بعض مقالاته على شكل حواري وقصصي ، كما نلحظ عند أحمد السباعي ، عزيز ضياء ، محمد حسن كتبي .

كل ذلك هيأ للتوجه نحو كتابة القصة القصيرة ، وتشجيع إنتاجها ، ونشرها في الصحافة ثم في مجموعات ؛ وهذا ما سنتوقف عند شيء من رحلته وأسئلته ، في اللقاءت القادمة .


منقول جريده الرياض’’’

د . عالي سرحان القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2010, 09:05 AM   #2
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصيرة بين الهامش والمتن( 2 )


التحول نحو كتابة الشكل القصصي ثم كتابة القصة كما سبقت الإشارة يمثل وعيا بمتطلبات الحياة الحاضرة ، ووعيا بضرورة حضور المهمش ، وإشاعة الديموقراطية ، واتساع دائرة الفاعلين والمؤثرين في المكتوب هدفا وإنتاجا ، فقد لفت هذا التحول واتساع دائرة منتجيه ومستقبليه الأنظار ، وأثار الأسئلة ، خاصة لدى أولئك الباحثين الذين لا يكتفون بالتتبع التاريخي والاستعراض ، مثل سحمي الهاجري ، الذي حاول أن يفسر هذا التحول بمصاحبة التأسيس لكيان البلاد ، حيث يقول :

" فمن الأمور المصاحبة للتأسيس ، تبلور مفهوم المواطنة ، ومفهوم الشعب ، وصحيفة (البلاد السعودية ) كانت تكتب تحت عنوانها عبارة ( صحيفة الشعب السعودي ) ، وكانت القصة هي الشكل التعبيري المفتوح لأفراد الشعب ، بخلاف الشعر الفصيح مثلا الذي دفعه الشعر الشعبي إلى دائرة المناسبات الرسمية المغلقة ، أو التدوال بين النخب القليلة ، كما سبق أن قال عبدالله عبدالجبار في الصفحة الأولى من كتاب ( التيارات الأدبية ) ."

ويمضي الهاجري تحت ظلال هذا الربط بين التأسيس والاتجاه لكتابة القصة ليفسر أن دخول كثير من الكتاب كان من باب تأسيس الذات الفردية ، والإعلان عنها ، والإعلان في الوقت ذاته عن درجة عالية من انسجامها مع الكل الاجتماعي .. ويخرج من خلال متابعته لكتاب القصة الواحدة مجاوزا بعض الأسماء الأدبية الذين لا ينفي عنهم أن تكون كتابتهم للقصة فرعا عن نزعة الحضور الكتابي ،فيشير إلى أن هناك أسماء أخرى تميزت ببروزها ، فيما بعد في مناشط متفرقة ، ومختلفة أحيانا ، إلى درجة تثير الاستغراب .ليذكر أن الذي يربط بينهم سمة واحدة وهي خاصية الطموح الشخصي وتأسيس الذات ، بواسطة دمجها في الحالة العامة للكيان الذي كان يتأسس. ويمتد بفترة هذا الارتباط إلى عام 1964م . راجع كتابه : سجال الخطابات الصادر عن نادي الأحساء الأدبي ، 1430ه 2009م ( ص 157164) وحين ندقق في هذا التفسير، نجده يعتسف الارتباط ، فعلى الرغم من سمة الوعي ، وطريقة الخطاب الإصلاحية ، إلا أن النزوع الفردي واضح ، والاعتداد بالمصائر الفردية التي تشكل القص وتكرار إنشائها ، تؤكد على مفارقة خطاب آخر يريد أن يسم المجموع بسمته ، لا يتقبل القصة ، يراها كذبا ، ولذلك نجد محاولات التحايل في البداية على كتابة القص المنسوب لعالم الجن ، كما هو الحال عند السباعي . وربما كان ما في هذا السرد من حيوية تؤخذ من مجرى الحياة ، وتلتصق بمعايشة الإنسان لأزماته ، ومحاولة كشفه عن مخارجها كانت الوقود والضوء الذي يلتقي عليه الكاتب والقارئ والمستثمر من صحافة ودور نشر .

وإذا كانت القصة اتخذت في البدايات من الأساليب البيانية والتصوير البلاغي للشخصيات والوقائع والأمكنة طريقا للتشكيل فإن هذا ينبغي أن يفسر في ضوء استدناء القارئ عن طريق الفن لتاريخ ثقافي ، ولغة سكنت المعاجم لتكون لغة متحركة في نبض الحياة ، ومنطوقة على لسان شخصيات الأحداث وسارديها ، ومتهيئة لأن تكون في عوالم متلقيها ، ودوائر اهتمامهم ، كما هو واضح في قصص الرواد ؛ ففي قصة للسباعي بعنوان ( بين قرى الطائف )، نراه يعتمد على اللغة الشاعرية في وصف المكان والإنسان ، يقول السباعي في بداية هذه القصة ، " قال هذا . . .وهو يشعر أنه تخاذل في نفسه بصورة مرهقة .ونظر إليها فإذا هي ترنو إليه بلحظ ساهم ونظرات حائرة . .

كانت قد مالت بعنقها على كتفها فبانت سحنتها أشبه ما تكون بسحنة المريض في وجه ضامر كأنما داهمه دهيم مفاجئ فانكفأ لونه ، وانطبقت آثار الجهامة على جبينها العالي ، وبان الذبول في زوايا شفتيها الدقيقتين وانطفأ بريق خدها الأسجح الجميل "

لقد كانت اللغة في اعتمادها على الصورة البيانية ، تحكي حدث التحول إلى موقف ؛ فلئن غاب الحدث فقد حضرت حكايته بهذه اللغة التي تستحضر مآل العافية في المرض ، ومآل الرشاقة والجمال في الذبول والانطفاء ، لقد كان السباعي يستوحي حدثا للحظة حين يقول : " كأنما دهمه دهيم مفاجئ فانكفأ لونه... " حيث أصبحنا مع حركة اللغة في هذا الفاعل المفاجئ الذي ينبت من الفعل دهم ، وفي هذا البدء الذي تطغى عليه الحسرة والتفجع ، يشد الكاتب القارئ بهذا الإحساس الإنساني ؛ ليبث فيه طاقة حيوية تستقبل هذا النمط من العلائق الذي تقيمه هذه القصة .فقد استدنى الرواد في كتابتهم القصة اللغة من عليائها ،وصورها البيانية والشعرية ؛ لتكون حراكا في مسار الأحداث ، ونسيجا من الحركة والمصائر الإنسانية ، فتوافق لحظات المواقف ، وتعبيرات الدهشة ، ومقتضيات الحوار من تعجب واستفهام .

ومضت القصة تتجدد في طرائق كتابتها ، بعد أن أصبحت فنا إبداعيا له حضوره ، يتوارد عليه المبدعون ، ويشكلون بها عوالم تستنطق تأملاتهم ، وتنسج منها مصائر حية لهذه الرؤى ، وكانت هذه المسيرة حافلة بتغيرات ، رام منها مبدعوها الإبداع على نحو متجدد .



منقول جريده الرياض
د. عالي سرحان القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2010, 09:08 AM   #3
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصيرة بين الهامش والمتن( 3)

ومضت القصة تتجدد في طرائق كتابتها ، بعد أن أصبحت فنا إبداعيا له حضوره ، يتوارد عليه المبدعون ، ويشكلون بها عوالم تستنطق تأملاتهم ، وتنسج منها مصائر حية لهذه الرؤى ، وكانت هذه المسيرة حافلة بتغيرات ، رام منها مبدعوها الإبداع على نحو متجدد ؛ يحيل الهوامش إلى حركة وبؤرة تبثق منها وتؤول إليها جزئيات النص ؛ ففارقت القصة القصيرة في إبداعاتها المتجددة البناء التراتبي للأحداث ، فلم تعد القصة تسير على إطراد في التتابع الزمني ، أو التتابع التطوري للأحداث ، وذلك لأنها بدأت في الانفصال عن الحكاية ، وجنحت نحو التركيز على التشكيل التكويني الذي يحدثه الكاتب ، إذ أصبح النص السردي يعتمد حالة الجريان وفق البنية الذهنية للنص ، تلك البنية التي نعرفها هنا بأنها اللحمة الناشئة في النص من سياق حركة ترابطاته ، وتداعياته ، وهذه البنية تكتشف من خلال متابعة حركة النص في اتجاهاته المتعددة ، على اعتبار الاعتداد بتكوين السارد واتساق حركة نصه ، وانبثاق خيط تنتظم فيه أثناء الخلق الكتابي حركة النص .

لنقف على هذا النص للقاص عبد الله باخشوين بعنوان ( وداع ! ) ؛ ففي هذا النص يبدأ السارد بالقول :

" مددت له يدي وأنا أداري مشاعري ، كأب يتصنع القسوة .. تجاهلها واحتضنني .. أخذ يقبلني ، وهو يشدني من ظهره إلى حضنه دون جدوى ، فقد أردت أن يبدو كل منا رجلا أمام الآخر ، " كأن الرجال لامشاعر لهم "

هنا نجد النص يبدأ وهي يطوي أحداثا تسبق هذه اللحظة ، فركز النص على لحظة الوداع ، مد اليد إلى الابن للوداع ، ومن هذه اللحظة أخذ يتفجر عالم النص ، وبدأ النص يشكل بنيته الذهنية التي تستدعي التوقف عند تساؤلات يتخلق من تأملها حركة النص ، فلم البدء بمد يد الأب ؟ لماذا أخر الأم ؟ هل ذلك يتسق مع التفكير الذكوري في تقديم الرجل ، هل ذلك لتجاوز ضعف النساء في حال الوداع؟

قد يتضح ذلك من خلال التوقف عند جملة جاءت تعليقا هي قوله " كأن الرجال لا مشاعر لهم "، هنا ندرك حركة ذهنية يبدأ النص في اتجاهها ، ممكن أن نسمها بأنها مواجهة التصنع وتزييف المشاعر ، ذلك الأمر الذي جاء النص متحركا في سريان مسالكه عبر التأمل الكثيف في مشاعر الأم وكأن التركيز على ذلك جاء ليخلق مرآة يتبين فيها زيف مشاعر الرجل أمام مشاعر المرأة . فالعناد والجبروت وإدعاء الرجولة لم تحل دون التركيز الشديد على مشاعر كامنة وناطقة بين الابن وأمه ؛ ومن هنا جاء قول السارد ، " اقترب منا وهو يواصل مراقبتي ، في محاولة لقراءة ما تحت ذلك القناع الذي كنت أختبئ خلفه " ومن خلال هذا الخيط الذي يشد أواصر النص في مواجهة المشاعر الزائفة جاء توظيف المفارقة التي يبعثها قول السارد " تباعدنا .. أخذت أشد على يده الرخوة بنوع من العصبية .. لكن يده لم تستجب ، وبدت كأنها لا تعرف لغة العواطف " من يشد والده إلى حضنه هل يتوقع أن يستجيب لعصبية قسوة؟ هل لا يعرف لغة العواطف ؟ ، إنها المفارقة النابعة من حركة ذهنية النص ، التي تجعل للمفارقة فعلها في اتساقها مع جريان المراقبة والتأمل ؛ فاليد إن بدت لا تستجيب ، فما ذلك إلا لأنها تذعن لعاطفة أعمق وأغلى من أن تتسق مع مشاعر مصطنعة . ويظل النص سارياً في الاستكناه ، وقارئاً العلاقة مع اللحظة الطارئة التي تراد فيها الشجاعة والتجلد والقوة ، ويعاود السرد إظهار المفارقات ، فما أن يطلق الابن ضحكة طفولية للتغلب على مشاعره في تلك اللحظة الحرجة ، وهي سلاحه الوحيد ،حتى يأتي السارد متقمصا دور الأب ليقرأ تلك الضحكة ويعيدها لتكوين اللحظة ، فيقول :" لكن ضحكته بدت في تلك اللحظة شائخة . .لا معنى لها" لكن معناها السردي في هذا اللامعنى، في هذه المفارقة .

ثم أخذ يصف مشهد اللحظة وتداعياتها مع الأم ، قائلا : " كانت أمه تقف إلى جواري تنتظر دورها " نلحظ أن بناء النص يتسق في حركته ، فوضع دور في هذه اللحظة والتركيز عليه من قبل السارد يتوافق مع المفارقة الكامنة في مشاعر جياشة مع رقابة للتراتبية في التوديع التي تأتي من الإذعان لطقوس المجتمع .

وتصعد الذروة في اقتحام اللحظتين لبعضهما ؛ لحظة الجيشان ولحظة المداراة عندما يقول السارد : ... تدس وجهها في عظام صدره ، تحاول أن تتعلق بعنقه ..بينما هو يحدق فيّ من خلف ظهرها ، ويواصل ذلك الضحك العصبي الأليم ، كأنه يريد أن يعتذر عن انفعالها ، ثم عندما تحولت شهقاتها إلى بكاء تقطعت ضحكاته في لحظة و...انتهت ." تتجسد الحقيقة التي تعلو على التصنع ، الضعف لحظة الوداع ، مواجهة واقع الفراق ، ليتجسد ذلك التعالي الذي معه تؤول المشاعر إلى نقيض ، مشاعر حب أمومي وأبوي ، تؤول إلى كره !! ما أقساه من تزلف اجتماعي " شعرت أنه كرهنا في تلك اللحظة ، ليس لأننا شاهدنا ضعف أمه .. لكن لأنه لا يريد لنا أن نستشف حقيقة مشاعره تجاه ذلك الضعف الذي فاجأه " لكن لا بد لصدق المشاعر أن يتكشف ، حتى في الأب الذي تصنع القسوة والتجلد ،لنقرأ آخر النص حين يقول :

" صعدت أمامي إلى السيارة بصمت .. ثم عندما انطلقت بنا ، أمسكت بيدي وأخذت تضغط عليها بعصبية ، كأنما لتحملني مسؤولية فراقه ..أو لتشد أزري .

لم أملك إلا أن التفت نحوه في لحظة ما .

ومن خلف ذلك الماء الذي ألقى بظلاله على عيني ، رأيته يقف .. نحيلا ووحيدا.. ثم تضببت الرؤية وأنا أراه يصعد في الأفق خيطا من دخان . "

من كان قاسياً يستحضر شد الأزر ويبكي ، هذه حركة النص تتسق بين مقاومة لتصنع ورضوخ لتجلي لحظة انكشاف ، وتعر أمام حقيقة الكشف ، ليعلو هذا الكشف على رؤية البصر ، ويتشكل في أفق الرؤية التي لازالت تحمل ضباب الرؤية بين الموقفين .، حيث نسلك بذهنية النص مسارا يجمع بين حال غبش البصر ، وتجلي البصيرة .من خلال متابعة حركة مقاومة تجلي المشاعر للمشاعر المصطنعة .

وهكذا نرى هذا النص لا يعتمد على تراتبية أحداث ، أو التصعيد إلى الحبكة بحدث ؛ لكنه يعتمد تفتيق التأمل من مرايا متجاورة ، وأخر تتابع على المشهد ، يتشكل فيها التكوين من حركة تنسج النص منذ البدء إلى المنتهى ، من خلال حكاية تجربة إنسانية في موقف وداع ، يستجلي عاطفة الأبوة والأمومة ، ومواجهة التصنع في هذا الموقف الإنساني ، فانتقلنا في هذا السرد من الاستماع إلى ما حدث لتأمل ما يتكشف عما يحدث ، فيظل النص في حال اشتغال ؛ ليس في حال الكتابة فحسب ؛ بل في حال القراءة أيضا .



منقول جريده الرياض
د عالي سرحان القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2010, 09:11 AM   #4
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصيرة بين الهامش والمتن (4 )

وتحدِث الحركة بين المركز والهامش في النص القصصي تفاعلا يستثمره الساردون، ويظل يسري في تفاعلات القراءة، والتصور، والتأويل؛ إذ تأتي تلك التفاعلات لتعرية موقف، أو لتجسيد فعل سخرية مر، عبر لغة أخرى تتحرك بإزاء لغة النص الماثلة في الكلمات، ففي نص بعنوان « خطوات بقدم واحدة...! « لعبدالله التعزي، كتب عام 1993م، نجد النص يستند في مركزيته، إلى القوة المنبعثة من الخطوة، بدليل العنونة بذلك، وبدليل المقتبس الوارد في أول النص، حيث جاء هكذا على نحو قريب من هذا التشكيل البصري:

خطوات بقدم واحدة...!

عندما تتصاعد أبخرة الأقدام.. وتنغرس الرماح في النار... وتفوح رائحة القوة.. تبرق عيناك.. وترعد الأرض...

لتمطر السماء دماءهم...

هم...

هم الأب الأبرياء...!

من أغنية قديمة لقبيلة لم يعرفها المؤرخون!

فتجد التركيز حول القوة والمواجهة، والانسحاق الإنساني إزاءها.. وتأتي القصة لتحكي حكاية فتاة لها من العمر أربعة عشر عاما، تشتغل في قصر، قصرت في عملها، تأخرت عن إطعام الكلب القوي في موعده، الكلب أفلت من رباطه، طاردها، التجأت إلى سيدها الذي دخلت غرفته أول مرة، رأته بقدم واحدة، يخرج لمواجهة الحدث، الكلب يدخل إلى الغرفة ،تحدث مقارنة بين القوتين، السيد يغلق الباب من الخارج، ويأخذ نفسا عميقا..، ويتركنا النص في فضاء استسلامها لقدرها.

لم يأت النص على هذا الترتيب الذي لخصت به الحكاية، بل بدأ بلحظة الاستنجاد:

« سيدي إنه يطاردني...

قالت ذلك مندفعة بقوة لا تعرف مصدرها. «وهذا يتسق مع حركة ذهنية النص، التي تستجلي وقع تسليم الأبرياء لسلطة الأقوياء، حين الصراع، إذ يبتدئ بتلك العتبة المشار إليها في البدء، التي تركز على الخطوات، لتنسج مع عنوان النص «خطوات بقدم واحدة..» حراكا لتوسل النجاة بأقصى طاقة لدى هذا السيد، التي كانت الحرية في التصرف في وسائل النجاة مكفولة له بينما فتاة القصة، قيدت بالخوف والاستضعاف، لتواجه قدرا محتوما دون أن تستيقظ في السيد نزعات النبل والمروءة في إنقاذها. ولعل المتأمل يكتشف من خلال تأويل النص بعدا رمزيا للقدم الواحدة، فعلى الرغم أنها خلقت جوا لتجسد الخوف لدى السيد، ولدى الفتاة التي تستنجد وترى الحال والمواجهة، إلا أنها من الممكن أن تفسر بفقد هذا السيد مقومات الوجود الإنساني حين استأثر بأن ينجي نفسه دون أن تنجو معه القيم الإنسانية.. وهذا المسار يتسق أيضا مع ما في النص من تفريغ لآمال وطاقات هذه الفتاة حينما واجهت عالم القصر « في القصر كل شيء كبير أشعرها بضآلة أحلامها. كل شيء عال أخجلها. كل شيء قديم سرب الخوف إلى أعماقها.»وكأن الكلب بضخامة جسمه التي جسدها السرد» لم تكن قد رأت الكلب الذي يتحدث عنه. وعندما رأته شعرت أنها أمام مخلوق خرافي، جميع أجزاء جسمه ضخمة جدا، وكانت على الرغم من جسمها الممتلئ، تبدو ضئيلة أمامه « كأنه حضر في النص رمزا لآليات اغتيال الحلم والأمل لها في القصر، بل وجودها الإنساني! حين تترك مع الكلب المسعور. مع ملاحظة أن هذا الكلب استقوى بسبب وجوده في القصر؛ فكانت المفارقة أن الفتاة تغتال أحلامها، والكلب يستقوي ويستعر في القصر! وهنا نجد النص يستخدم المرايا المتعددة لحركة ذهنيته، ابتداء من الاقتباس، ومرورا بتأمل الفتاة لحالها في القصر، ثم المواجهة مع الكلب، ثم تأمل لحظة الاستنجاد، والتشكيل الجسدي والنفسي للسيد، وحديقة القصر، وغرفة السيد، مما يشي بتنوع الطرائق والمسارب التي تتحرك فيها ذهنية النص؛ حيث لم تعد متوقفة على تراتبية الحدث.

اتضح من خلال حديثنا السالف أن القصة لم تعد تعتمد في التشكيل على تدوين حدث واقعي أو مفترض؛ بل أصبحت تجاوز ذلك إلى أفق، يستثمر أبعاد تكوينية لذلك العالم متعددة، تشمل استعادة الذاكرة، والحديث الداخلي مع النفس، واستثمار العلاقات الحادثة في تشكيل النص، واستثمار التأويل، وتفاعل النصوص.. ومن هنا كان عالم تشكيل النص القصصي يمثل تحولا ظاهرا في تشكيل النص القصصي، لم يبق عالم النص على شكله الحادث وينقله إلى النص؛ بل أصبح التشكيل ذا سلطة تذوّب عالم النص لتصهره في الحركة الجديدة لذهنيته، مستثمرة ما يتراءى من أبعاد العلاقة بين الهامش والمركز، وما يمكن أن يفعله الهامش حين يفرغ المركز من جبروته وتسلطه.



منقول جريده الرياض
د. عالي سرحان القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2010, 09:14 AM   #5
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصيرة بين الهامش والمتن (5)

ويظل عالم السرد يشتعل بالمهمش ، فقد دلف إليه رهق أولئك المتعبين من ضجر الحياة ، وأصبح نزقهم ومعاناتهم الوحدة والغربة مجالا لتكوين النص القصصي ،وأصبح التكوين لشخصياتهم السردية مثار اشتغال بين السارد والمتلقي ، حتى إن ذلك الاشتعال والاشتغال ليمثل داخل النص ، وفي نطاق حركته الذهنية ؛ حيث يظل بها مشتغلا مع السارد ، وباثا بؤرا لجذب حركة السارد ومتلقيه ؛ ففي نص بعنوان " محاولة لإشعال سيرة منطفئة " ، للقاص عبده خال نجد الكتابة هنا ليست حكاية لحالة ، تقص خبرها ، وإنما هي الدخول في نسيج الحالة ، وإشعاله بفعل اللغة ؛ لتحيل المنطفئ إلى وهج متقد بالحيوية حين حضوره في دائرة عقل المستقبل ، لقد صرح العنوان بهدف الكتابة عن هذه الحالة ، وهو محاولة الإشعال ، مما يجعلنا نقف على فعل للغة ذوّبت عالم هذه السيرة ؛ لتعيد تشكيله من جديد ، وكان الإشعال يبتدئ من تلك المقولات التي تتبادلها الألسن عن ذلك المتسول ، من التفسير لما آل إليه حاله ، ولما يظهر عليه من الحال في الهيئة والنطق ؛ ولذلك تتقلب الحال على مقولات متعددة تتخذ من الغوص في أعماق الحال الظاهر أساسا لسردها ؛ فاللغة في البدء توحد بين الشخصية وبين المكان الذي أقام فيه ، وهنا نلحظ انزياح المكان والشخصية في تشكيل حركة السرد ، فحركة السرد أضفت على المكان قابلية لأن يتحد مع الشخصية ؛ حيث إن وجوده لا يملأ المكان ، والمكان لا يجد فيه إلا الوحشة ، ويتحرك النص بالشخصية في عوالم ما يسمع ، وما يتأمل ؛ فحين يسمع حكاية صيادين عجوزين ( كانا يخبئان ملوحة السفر الطويل في جلودهم السمر ، ويتحسران بعمق على عمرهما المهدور في الموانئ .. يقلبان ذكرياتهما ، ويتحدثان في مقدمة المركب عن حورية البحر وأنها لا تظهر إلا للفتيان . ومن رآها لا يغادر البحر شباكه ) .فمن نصب هذين الصيادين وشقائهما جاءت لغة السرد ؛ فنقلت الملوحة من مجال العمل إلى سيرتهما ، لتظهر الملوحة مذاق النصب والامتزاج بالبحر ، وتحولت المقولات إلى دائرة نصب الاهتمام والبشارة ؛ فمن رأى حورية البحر لا يغادر البحر شباكه .

وفي نص لجار الله الحميد بعنوان " خماسية الأيام الأربعة " ؛ نجد القصة القصيرة تفتح حيزها وتشكيلها لاستقبال عالم المدونات اليومية ، بعد أن يكون النص صهرها بإعمال الرؤيا ، وترتيب الحدث وفق تشكيل خلاق لاستقبال ، يراوغ فيه النص عن أن يكون مجرد تسجيل يومي ؛ فيكون في أفق التشكيل مذابا من الصبر والمرارة والقلق والأشواق والحنين والضجر والخوف فتوحي بذلك الكلمات ، وتشي به التصورات والالتفاتات ، واختزالات الحوار ، يبدأ النص بمقطع رقم (1) الذي يبتدئ بحوار متوتر على الشكل التالي :

إنه ليس مستشفى أبيك !

كنت خائفا ومتوترا بشدة .قالت :

لم أقل إنه مستشفى أبي .اجلس .

جلست وأنا منفعل وارتعد ..ثم أشعلت سيجارة ( فكرت بالسرطان ) .

وعلى هذا النحو يستمر الحوار بين ممرضة مسؤولة عن نظام ، وتهيئة بيئة صحية ومريض ضجر قلق ؛ من هذا الحوار يتكون الأفق الذي يسير فيه عالم النص ، والحركة النصية التي صهرت عوالم الشخصيات والمكان والزمان في اتجاهه ، ففي النص سيطرت ذهنية الضجر على كل استقبال من السارد الذي يسرد حالته ، لما حوله ، فوجود الممرضة ، ومحاولة توجيهه لأن يكون منتظما ومتسقا مع عالم تشرف على الحركة فيه ، أشعره بتسلط ، وبحال من الهيمنة لا يريدها ، فكان حواره معها بنفي التملك ، ليأتي الرد منها بنفيها أيضا والتأكيد على ذلك ، ويستمر الحوار مؤكدا على توق المريض للحرية ، وقراءته للنظام المسيطر بأنه تسلط وكبت واضطهاد .. ويستمر سرد النص وحواره مستجليا آفاق من طلب الحرية ... آخرون من المنومين بالمستشفى يطلبون منه سجائر ، وممرض ينهر ، وخروج إلى الطوارئ لطلب سيجارة ، وهنا تأتي في السرد مرآة العالم الخارجي للعالم الداخلي ؛ ( وقد انبلج ضوء النهار مفرحا ) ، مقابل الليل الخانق ، نبض الحياة الزاخر بالحيوية ، كما يفهم من حديثه عن القسم الداخلي " فهناك نبض الحياة غير مؤجل كما هو في القسم الداخلي الذي تسمع فيه دقات الثواني في الساعات العديدة المثبتة على الجدران "

ويشير النص بعد ذلك إلى توقه للحرية مجسدا في الخروج من دائرة المستشفى ، والبحث عن التقرير الطبي الذي يؤهله لذلك ؛ ليمتد ذلك إلى سفر بعيد ؛ ليقول في نهاية التدوين الذي جاء مرقما هكذا ( أ 2) :

حين وضعت جسدي المتحرر مني على مقعد الطائرة .. نمت

ليظهر للمتأمل من ذلك أن هذا الخروج كان يمثل مرحلة أخرى أوسع مدى ، فهي تنويع آخر على التنويعات التي دونها ل ( أ ) وجاءت في المتتاليات ( ب ) ، (ج ) ، ( د ) . وكان ما سبق يمثل الرقم ( 1) .

منقول جريده الرياض
د. عالي سرحان القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 11-03-2010, 09:19 AM   #6
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصيرة بين الهامش والمتن (6)


وفي نص بعنوان (أول المغفرة)، لمحمد النجيمي، من مجموعته التي تحمل العنوان ذاته صدرت عام 2008م، نجد التشكيل المركب للقصة، أي التشكيل الذي يحمل قصصا متداخلة، يفضي إليه سرد يتعلق بحكاية تستنطق على وجهات نظر مختلفة، وفي أزمنة متعددة، في سعي إلى استدناء المهمش، واحترام مقولاته؛ حيث نشعر في هذه القصة بتداخل الهم الإنساني من تاريخه القريب والبعيد، وعلى امتداد المساحة الإنسانية؛ مما يجعلنا نتأكد من سلطة السرد على تذويب العالم والزمن، واستنطاق مقولاته المهمشة، وخلق حراك لبيئة حرة فيما تذوبه وتشكله، مبتدئا من إذابة مظاهر عبودية، آلت إلى غناء على نقش:

« قفز يغني ويغني والكلمات تجتاز شفتيه بعذوبة متناهية لتصفع آذان الجميع:

سمراء ولدت من أمة سمراء

اعتادت أن تبيع جسدها

ولم تكن تكترث للثمن . «

التغني بالعبودية مظهر للتمرد عليها وتجاوزها، ولذلك حضر التمرد على الثمن وعلى عدم الاكتراث بالخضوع لأهواء السيد، حيث ولد الإحساس الذي طوى العبودية في أفق الحرية المحسوسة في هذا الغناء:

« نتعبد سويا كلما ارتدينا الليل

أنا السمراء التي ولدت من أمة سمراء.

لا قانون لي أطيعه، ولا أعرف الخطايا

أبيع نفسي بلا ثمن

أبيع نفسي لسيدي

أصدقاء سيدي

وكل ذلك لا يهم

طالما أنا من ينجب سيده»

سلطة النص السردي ذوّبت حكاية هذا النص الذي يذكر الكاتب أنه أغنية جيمايكية تعود للقرن الثامن عشر، لتكون هذه الحكاية تنقيبا عن مكان نقش وجد في تهامة، ليتعانق التاريخ مع الجغرافيا في البحث عن متاهة هذا النص، وليكون التنقيب مستحضرا تجاويف الذاكرة إزاء الكهوف والمقابر، ومطاوي المخطوطات، على نحو ما جاء في النص:

« الحكاية التي سمعتها هذا الصباح أربكتني. لا أدري لماذا! ربما أيقظ حديثه رغبة قديمة ملحة كانت تراودني لأرتاد غرفة مظلمة في ذاكرتي لم أحاول يوما أن أفتش فيها عن بعضي!»

ليستحضر من المهمش، والساكن في تلافيف الذاكرة حكاية لتاريخ هذا النقش، ويجعل الحكاية مفتوحة للتدوين، والإضافة عليها، ليأتي التفسير لغياب هذا الكنز الذي يتغنى فيه العبيد بحريتهم، لكن النص المنحاز للحرية، جعل لحظة كشفه عن هذا الكنز هي استعادة الحرية المستلبة، يقول النص في آخره:

«هنا صرخت:

لم يتوقعوا يوما أن بعضا من أبنائها قد يستعيدون إرثهم، يجدون كنزهم، ويفهمون الرسالة.

ويغنون يا محمد.

ثم اندفعنا ننشد:

نتعبد سويا كلما ارتدينا الليل .....» إلخ النص.

فقد قفز النص على التهميش، وجعل من هؤلاء الضائعين عن إرثهم عائدين إليه، فما كان مهمشا في زمن وجودهم آل إلى متن في زمن السرد، وأصبح يخاطبه بالاسم (يا محمد).

وهكذا نجد النص وهو يشكل عالمه يتماهى مع اللحظة السردية، وينسكب الوجود فيها بمختلف أطيافه فلا يغيب السارد عن المشهد، ولا يغيب المتأمل الذي تحفزه التأملات الناشئة عن الإضافة والتشكيل.

منقول جريده الرياض
د. عالي سرحان القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-03-2010, 12:33 AM   #7
3030w
كبيرة أعضاء

 
الصورة الرمزية 3030w
 
تاريخ التسجيل: May 2008
الإقامة: قمة جازان
المشاركات: 20,487

القصة القصيرة بين الهامش والمتن 7





وتختلف الأشكال التي يحضر بها المهمش في كتابات كتابنا القصصية ، فمنه ما يظل على حراك فاعل وخفي في النص على النحو الذي نلمسه في نص لبدرية البشر ، بعنوان(البئر ) ، ضمن مجموعتها (حبة الهال ) ؛ حيث نجح النص في تحريك حكاية ظاهرة تتفاعل معها وتحركها حكاية مختلفة لها غموضها الذي يخفيه جريان الحكاية الظاهرة ، فكانت الحركة بين الحكايتين مجلية لهذه السردية التي تساير السر ، وتنتهك المستور في وقت واحد ؛ ففي هذا النص استطاع العنوان بما يشي به من أسرار ، ومستودع للحكاية ، وما يشف عنه السطح المائي في كهف البئر من مرايا ، وما يفيض به من أسئلة ... استطاع النص أن يذوّب كل هذه الاحتمالات الإشارية في عالم النص ، ويصهرها في بنية النص الذهنية ، ف(رفعة) بطلة النص التي بموتها انطفأت رغبات بشرية وخاصة في صدور نسائها كما يقول النص ، تجسد من خلال جمالها ، وفتنتها ، وتهيئتها لتكون معشوقة،ومحسودا ما يجعلها حاملا للأسرار ، ومثارا للأسئلة التي آلت إلى مراقبة وحذر ، ومتسقة مع العنوان ( البئر ) ،فهي قادمة كما يقول النص " من تاريخ غامض ، يجهلن سقطاتها ومكامن ضعفها ، أو معلومة صغيرة تنقص منها ويعايرنها بها ... ، حرص النص على أن يشكلها في ضوء بنية النص الذهنية ، التي تشف عن تذويب عالم رفعة وعالم البئر ، فتمتزج رفعة بالبئر في القدم ، والسر ،والامتلاء بالحكاية ، ففي تلك الليلة التي رقصت رفعة ، واستثار الرقص والدوسري ما في روحها ، جاء مزيج عالم النص يظهر ملامح من عشق قديم يستيقظ ، يقول النص : " في تلك الليلة رقصت رفعة كما لم ترقص امرأة في ( الحزوم ) نفضت ضفائرها الرطبة برائحة الحناء والطيب ، أسدلت غيمة من الشعر البني على وجهها ، نفضت عن روحها تراب الوقت في دومة غناء السامري المهجور في روحها، جر الغناء غصون قلبها جرا ، في غناء جماعي لفرقة الدق الدوسرية وهي تغني : ( ياجر قلبي جرا لدنا الغصوني ..وغصون سدر جرها السيل جرا ). " ويتماهى النص مع عالم الأسرار هذا ليأتي بهذه العبارة التي تشف عن عالم من الأسرار "تأخرت رفعة ذلك المساء عن البيت ، كان الليل حرا بها " فتحضر السدرة ، وهنا نلمح حركة النص التي استدعت حضور هذه الشجرة دون غيرها ، بسب من الإشارة إلى غصون السدر في ذلك النص الذي كان يغنى ويستثير الأسرار والعشق القديم ، وبسبب من محمولات السدر في الذاكرة الحكائية وارتباطه بعالم البركة ، واحتضان الأشواق ، وعالم الخفاء .

تحتضن البئر رفعة وسرها ، كما احتضنت رفعة بقايا عشق قديم ، يحكي النص حكاية ظاهرة ، امرأة فاتنة لم تختر شريكها ، تأتي إليها تظل تحمل أسرارها وفتنتها ، يسر النص لقاءها لعشقها القديم ، يظهرها ممسوسة ، وملقاة على سطح ماء البئر ، ويظل النص يحرك الحكاية السر ، تلتقي بسلمان ، ينتقم منها عبدالله ، وتظل الحكايات تتناثر ؛ ليكون التصريح بالحكاية المختبئة من الأسرار التي لا ينبغي الخوض فيها ، ولذلك كان الجواب من ( موضي ) ل (مزنة ) التي نفضت الغبار عن حكاية العشق والانتقام (ستخرفين قريبا يا مزنة ، اذكري الله ! كلامك ينثر الدم في وجه الرجال ، ضعي لسانك في فمك ونامي). ، وفي ختام النص تتراءى حركة ذهنيته التي آلت إلى هذه الخاتمة

"سمعت مزنة صوت حجر يتدحرج ، نهضت على ركبتها لتطل من جدار السطح القريب .. شاهدت ضوء نجمة منحدر يومض عند رأس البئر ، لمعت النجمة في عين مزنة ثم انطفأت ، كان شيء ما يودعها ."

يأتي ما تسمعه كأنه الصوت الذي تحاذر ، صوت التهديد المصاحب لهتك المسكوت عنه ، النجمة التي لمعت وانطفأت كأنها صوت الحقيقة الموارب الذي لا ينبغي أن ينكشف .

هنا نجد النص يشكل مرموزاته ، ويعقد بينها معاقد نسب وشبكة ، لتتداخل البئر مع رفعة مع النجمة ، مع حجر يحرك الراكد ،ليكون سر البئر ، وسر رفعة ، وسر التواطؤ على طمس السر ، لئلا ينتثر الدم في وجه الرجال .

وهنا مرة أخرى نجد السرد الذي لا يتوازى مع حكايات تروى ، وزيادة تفصيلات تكتب ؛ بل مع نص يصنع حكايته التي تنتقد بصناعة الحكاية ، وكشف المراوغة ، وتفعيل السر والهامش .


جريدة الرياض
د. عالي القرشي

التوقيع :
هذا المكان للطموحين دوماً، والذين يقولون إنه لا تنازل عن جاذبية الأرض إلا بالارتقاء للسماء .. علي القاسمي..
3030w غير موجود حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كيف تكتب قصة قصيرة ومشوقة وليد الذكريات المنتدى الأدبي والثقافي 15 26-05-2011 12:56 AM
فن القصة,, 3030w المنتدى الأدبي والثقافي 4 27-08-2009 07:12 AM
بين السطـور اقرأ همســـــات عشقي ,,,, باكية بصمت المنتدى الأدبي والثقافي 3 15-06-2009 08:42 AM
دعوى التقارب بين الاديان alhdwani منتدى الثقافة الإسلامية 2 26-07-2008 07:10 AM


الساعة الآن 05:57 PM.
Powered by vBulletin Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd.