المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ((( رحيــل بـلا عـودة ))) !! .... قصة قصيرة


الفنــان
29-04-2002, 04:28 PM
(( رحيل بلا عودة )) ..... قصة قصيرة



حملتها بيني يدي .. وهي مرتدية ثوبها الأبيض .. ذلك الثوب الذي كان آخر ثوب أشتريه لها .. وآخر ثوب ارتدته .

ثم وضعتها في تلك الزاوية الضيقة من الحفرة .. بينما خدي مبللين بالدموع .. لم أستطع المقاومة .. وخانتني الشجاعة .. ولطالما كنت بالأمس مثالا للشجاعة وشدة التحمل .
هنا .. بانت خفايا نفسي !!!

ردمنا عليها التراب حتى اختفت معالمها للأبد .. وعم الصمت والسكون محيط تلك الحفرة .. تفرق القوم كلهم إلا أنا .. وبدأت خيوط النهار تتلاشى من الوجود .. ثم عم السكون الكون .
ومازلت واقفا في مكاني .

الأنوار تبدوا من بعيد هناااااااك تتلا مع .. وأصوات محركات سيارات نائية تأتي وتغيب .. ووزوزة الحشرات من بجانبي تتعالى .. والظلام بدا حالكا من حولي .

واخذ الخوف يدب إلى نفسي وأجداث القبور تحيط بي .. وأتخيل الأشباح في كل اتجاه .
ونظرت إلى الارض .. أمام أصابع قدميّ .. هاهنا أبنتي (( سمر )) آه يا سمر .. كم كنت تخافين من الظلام والوحدة !! .. كيف أترككي هنا لوحدك وأعود إلى المنزل ؟!!.

وبدأت في السير جارا قدمي الثقيلتين .. ثم ألتفت للخلف .. كأني بأبنتي تنادي علي :

أين تذهب يا بابا ؟!!
لماذا تتركني هنا وتذهب ؟!!
أتخيل يديها الصغيرتين تشيران إلى كالطفل يريد أن يُحمل .

وأتابع المسير !! .
خطواتي تزيد ثقلا .. والغصة في حلقي تكاد تخنقني .. والدموع تحجرت في عيني ..
ولكنني أكمل المسير ..
صوتها يتعالى !!
وأكمل المسير ..
يدهيها يزددن طولا نحوي !!
وأكمل المسير ..
صدى صوتها يصم أذني ّ !!
وأكمل المسير ..

في المنزل بدت زوجتي شاحبة الوجه .. تنظر إلي بشرود .. كأني بها قد كبرت عشرين عاما !!
وأدخل غرفة نومي بصمت .

فأستلقي على فراشي .. بينما زوجتي جلست بجانبي تمسح على رأسي ببلاهة .. نظراتها شاخصة في لاشيء .

تذكرت في هذه اللحظة ما جرى البارحة .. كانت (( سمر )) مستلقية على هذا الفراش .. تئن متألمة من مرضها المفاجيء .. ثم تنظر إلى بعينين ذابلتين .. وكأنها تستعطفني لأ نقذها مما هي فيه .. فماذا بيدي غير ان أدعو الله لها بالشفاء .. بعد أن خذلتنا كل المشافي .. فمرضها لا علاج له .

و توقفت فجأة كلعبة انتهت بطارياتها .. كانت مرحة ورقيقة .. كانت تملأ أرجاء البيت بهجة وجمالا .. برد جسدها .. حاولنا أن تستيقظ فلم تستجب !! .. حاولنا أن تتحرك ....!! .

لماذا لم تعد فيها حركة ؟!!
لماذا عينيها لا تتحركان ؟!!
لماذا ولماذا ؟!!
لقد ذبلت .. انتهت .. فهل رحلت حقا؟!!


آآآآآه .. كانت تنثر ضحكاتها في كل ركن .. ويفوح أريجها في أرجاء البيت ..

كلما سمعت طرقاتي على الباب هرعت إليه بسرعة (( بابا جا .. بابا جا )) .. الان أعود إلى المنزل .. فلا أجد (( سمر )) تلتقيني كعادتها .

الان عشعش الصمت في المنزل .. هدوء كئيب .. ورحلت البهجة من زواياه .

ألعاب لازالت متناثرة هنا وهناك .. اختفت من كانت تلهو بها .. لازالت المكعبات كما هي لم تتفكك .. مازلت تلك الأوراق المليئة بالشخابيط الطفولية متناثرة في غرفتها .

ومازالت ملابسها كما هي .. مرتبة.. وبعضها متسخة حول غسالة الملابس الكهربائية .. أنظر لبعضها مليئة ببقايا الحلوى .. وأخرى ممزقة من أطرافها نتيجة تزحلقها في المرجيحة .
فكم فرحت بهذه الملابس حينما رأتها.. و ارتدتها أول مرة .. وكم اختالت بها بين أترابها .


وأخذ بعض ملابسها فأضمها إلى صدري .. مازلت رائحت بنيتي فيها .. فما ازكى هذه الرائحة !!.

ثم أحملها بين ذراعي وكان ذلك الجسد الذي رحل مازال فيها .. ثم أتذكر ملامحها .. وعباراتها .. ودلالها الأنثوي البريء .. فتزداد المرارة في حلقي .
أتذكر من كانت تحب أن تلهو معه من الأطفال .. وتلك الحلويات التي تفضلها .. والآكلات التي كانت تطلبها .


ويوم بعد يوم .. أرسم على محياي البسمة .. كنقش باهت على صخرة قاسية ..
أحاول أن تسير الحياة .. كمن يدفع جذع شجرة ضارب في أعماق الأرض .. يعود للخلف فيظنه يدفع للأمام .. ولكنها حركة على كل حال .

عادت الأمور طبيعية .. بدأنا نضحك .. ونتكلم في كل شيء .
وكأننا خلعنا تلك الصفحة الكئيبة وطويناها خلف أسمال مشاعرنا .. غير أننا عند النوم نستخرجها .. ونبدأ في قرأتها من جديد ..

هنا يأ أبنتِ كنتِ تنامين بيننا .. تارة تتجهين نحو أمك فتضمك تحت جناحيها .. وتارة نحوي .
تشعرين بالدفء بين ذراعينا .. ونشعر بالنشوة ونحن نضمكِ إلى صدرينا .. نلمس جسدكِ الغض فنزداد متعة ونذوب رقة وحنانا .. و نتأ ملكِ في نومك فتتهاوى صخورنا .. وتهدأ أمواج البحر العاتية .

لم يعد من ذكراك إلا صورك التي بقيت جامدة تتحدى الزمن .. وبقيت تلك الابتسامات الخالدة فيها لم تتغير .. وجاء بعدك أخوة وأخوات أنسونا شيئا من ذكراك .. غير أنك بقيتي تلك الطفلة الرائعة .. التي كانت بهجة في منزلنا ذات يوم .. لم تزالي أنت الطفلة .. وقد كبر الجميع !! .

=================
حررت بتأريخ : 16/2/1423هـ
] http://www.jazan.cc/vb/showthread.php?s=&threadid=7581(( رحيل بلا عودة )) .... قصة قصيرة

شروق
29-04-2002, 11:57 PM
قصتك محزنة يا فنان
ولكنها تشير إلى أسلوب جيد في الصياغة
نرجو أن تكون متخيلة لا حقيقية
كما نرجو أن قدومك القوي هذا يستمر قويا وليس من قبيل ثورة البدايات

لك دوام التميز
شروووق

الفنــان
30-04-2002, 03:56 PM
هذه القصة ( ليست بحقيقية بالنسبة لي ) وأنما خيالية .. جاءت فكرتها من مرور شخص عزيز علي بمثلها .. فحاولت تصوير ما مر به .. فهو شديد العاطفة .. وإن كان مكابرا في عدم إظهار ما يجول في نفسه من ألم .

أما عن عبارتك الأخيرة .. فأنا هنا أجاهد في سبيل غاية أسمى من نشر أدبي .. غير أن ذلك بات نوع من الضرب في الحديد البارد .

تقبلي خالص تقديري وإعجابي ,,,