المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خاطرة بريئة من السياسة والاقتصاد:"صوتُ المنطاق".


فرحان الفيفي
02-09-2007, 07:51 PM
صوتُ المِنْطاق:

أسفر الصبح وتنفس؛ فخرجتُ مع غدو الطير؛ لأقتاتَ النسائمَ، وأدَّرِدُ الشروقَ،
وأغسلُ أوزارَ الليل بالطَّلِ المتشبثِ بأوراق الشجرِ، قبل أن تُرْديهِ أشعةُ الشمس.
وإذا بذلك الصوت القادم من مُدرجات (العم حسن) الزراعية المُقْتضة بأغصان الذرة يداعبُ أذنيَّ،
صوتٌ متتابعٌ يأتي ثم يعود، ثم يأتي مرة أخرى، دواليك.
صوتٌ أشجى في أذني من تغريد البلابل ، وأجمل من خرير الماء، وهدير الشلالات، وأعذب من نغم المزامير، وألطف من همس الأوتار،
صوتٌ يجعلني أحتقرُ مقطوعات"موتسارت"
وأستقبحُ سمفونيات"بيتهوفن".
وصلوهات "رياض السنباطي".
وما ذاك إلا لأنه قد أيقظ في نفسي ذكرياتٍ تليدةً كنتُ أظنُّ التمدنَ قد أتى عليها،
والحضارةَ قد وَأدَتها، وإذا بي أستعيدها بذلك الصوت،وأعيشها بكامل تفاصيلها،
ليس ذلك فحسب، فقد جعلني ذلك الصوت أبحرُ في تفاصيلِ الأنظمة الاقتصادية
للدول، وارتباطها بالفرد والدولة. وما تَسُنهُ الدولُ والحكومات من أنظمةٍ وقوانين تحمي الفرد المستهلك من جشع وطمع المؤسسات والشركات.
أتعرفون ما ذلك الصوت؟
إنه صوت المنطاق.
والمنطاقُ : حبلٌ بطول ذراعين، له ذؤابة في أحد طرفيه كذؤابةِ السوط،يَضربُ بها العم حسن في الهواء ؛ فتُصْدر صوتاً قوياً ،يخيفُ أسراب الطيور التي تُهاجمُ محصوله من الحبوب، فتغادرُ حقله.
كما أن العم حسن عندما تتكاثر طيور الوَرْوَرِ التي تقتات نَحْلَهُ يُهرعُ إلى منطاقه لحمايتها في بكورها ورواحها.
ويستخدمهُ أيضا كعصا يسوقُ بها أبقاره وأغنامه إلى المرعى المناسب، البعيد
عن مزارع الحبوب.
عندها فكرتُ في حال العم حسن؛ وكيف أن منطاقهُ قد فَوَّتَ على وزارة التجارة الإشراف على احتياجاته الأساسية من الأغذية،
فالحبوبُ من مزرعته، والعسلُ من نحله،واللبنُ والسمنُ من أبقاره، واللحومُ من أغنامه.
ولا يحتاج لحماية مصادر غذائه الأساسية إلا لمنطاقه فقط، بعد توكله على الله.
لذلك فهو لم يسمع عن وزارة التجارة، ولم يدعُ على وزيرها كما يفعل عامة الناس.ولم ينادِ بالويل والثبور من ارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ولم يرفعُ عقيرته مستنجدا من التجار ، وأرباب الشركات والمؤسسات.
ولم يسمعْ بتأريخ الصلاحية، ولا بالمواد الحافظة.
وها هو قد تجاوز الثمانين من العمر ولم يشتكِ من اعتلال صحته.ولا ضيقٍ في مصدر رزقه.
وما ذلك إلا لأنه قد استبدل وزارة التجارة بمنطاق.
عندما وصل بي تفكيري إلى هنا أحسستُ بلهيب أشعة الشمس ، فأوقفتُ عقلي عن التفكير قبل أن أبالغ في فوائد المنطاق أكثر من ذلك ، خوفا من لهيب الشمس.
ولكني تمنيتُ أن أمتلك منطاقاً كمنطاق العم حسن؛ لأخففَ من الأعباء الملقاة على عاتق وزير التجارة.