المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الملاح القاتل 00 لا تفوتكم


سااااحر الوورد
05-09-2001, 08:45 AM
:( قصة رهيبة جداً لا تفوتكم

حكم عليه بالموت شنقاً حتى الموت ، فنفذ فيه الحكم علناً في ساحة من أكبر ساحات بغداد ، فمضى إلى ربه كما مضى غيره من الناس
ولكن القصة لا تبدأ هكذا 00
كان يعمل جزاراً ، وكالعادة قصد المجزرة في الهزيع الأخير من الليل ، وذبح في تلك المجزرة أغنامه قبيل الفجر ، وأوكل أمر نقلها إلى حانوته التي يبيع فيها الأغنام المذبوحة إلى شريكه ، وعاد مع الفجر إلى داره ، التي تقع على جانب طريق ضيقة متعرجة مقفلة من تلك الطرق التي كانت شائعة في الأحياء القديمة من بغداد قبل أربعين عاماً ، وفي طريق عودته من المجزرة إلى داره ، وعلى بعد أمتار معدودات منها ، في تلك الطريق الضيقة المتعرجة المسدودة ، سمع صرخة مستغيث ، فهرول مسرعاً باتجاه الصوت المستغيث ، وعثر الرجل وهو يهرول بجثة قتيل يلفظ أنفاسه الأخيرة ، يسبح ببركة من دمه النازف ، فتلطخت يداه وثيابه بالدماء وسقطت سكينه من وسطه على صدر القتيل ، فتلوثت هي الأخرى بالدماء .
وأصيب بصدمة عنيفة ، ولكنه لم يكد يصحو من هول هذه الصدمة ، إلا وأصيب بصدمة أخرى أشد هولاً من سابقتها ، فقد أحاطت به جماعة من الحراس الليليين المسلحين بالهراوات والبنادق والمسدسات ، فأمروه بالنهوض ورفع يديه ، فنهض عن جثة القتيل ورفع يديه وهو في حالة يرثى لها من الفزع والهلع ، فالتقط أحد الحراس الليليين سكين الجزار الملوثة بالدماء والتي سقطت على جثة القتيل .
ولم يسمع أحد إنكاره بأنه ليس القاتل ، ولم يصدق أحد قصته الحقيقية ، وذهبت أقواله وتشبثاته أدراج الرياح ولكنه بعد صدور الحكم عليه ، قال لقضاته الذين تولوا محاكمته ، على مسمع من الحاضرين : " إن أقوالي صادقة وأقوال الشهود كاذبة ، ولكنني أستحق الحكم علي بالإعدام ، لأني قتلت طفلاً رضيعاً وأمه قبل سنوات ، ففتشوا عن القاتل الأصلي الذي أرتكب جريمة القتل وأفلت من العقاب ، ونفذ فيه حكم الإعدام شنقاً حتى الموت .
وكان بالإمكان أن يمر إعدام الجزار كما مر إعدام غيره من المجرمين دون أن يترك أثراً في المجتمع ، أو يترك أثراً محدوداً في المجتمع يزول بمرور الأيام ، ولكن إعدام هذا الجزار ترك أثره العميق في المجتمع بحيث لا يزال يتردد حديثه حتى اليوم ، وسر هذا الأثر يكمن في أنه كان بريئاً من دم القتيل الذي أعدم بسببه ، ولكنه لم يكن مظلوماً في الحكم عليه بالإعدام لأنه كان مديناً للقدر بقتل طفل ووالدته ، عجز البشر في حينه عن إكتشاف قاتلهما ، ولكن الله كان له بالمرصاد .
نشأ في عائلة فقيرة جداً ، لا تكاد تحصل على قوتها اليومي إلا بشق الأنفس ، في حي من أحياء ( الرصّافة ) من بغداد وفي السادسة عشرة من عمره ، عمل في قارب من قوارب العبور ملاحاً في نهر ( دجلة ) بين جانبي بغداد : الرصافة والكرخ . ومرت عليه ست سنوات في عمله الدائب الذي قد يستمر في بعض الأحيان ليلاً ونهاراً ، لا يعرف للراحة طعماً إلا حين يأوي إلى فراشه لينام قليلاً ، وكان ما يجمعه يومياً لا يكاد يسد رمق عائلته الكبيرة المؤلفة من أبوين شيخين وخمسة إخوة وست أخوات ، وكان هو بكر والديه .
وذات صباح من أيام الصيف في بغداد ، كان على ضفة ( دجلة ) الأيمن حيث جانب ( الكرخ ) من بغداد ، جاءته فتاة مع أمها ، يبلغ عمر الفتاة ست عشرة سنة ، هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ، لا يشتكي قصر منها ولا طول ، نصف وجهها عينان كأنها عيون الغزلان ، وتقبل الأم وابنتها إلى جانب ( الرصافة ) ، فتحرك قلبه للفتاة من أول نظرة ولأول مرة في حياته ، فلم يبق له الفقر وإعالة أبويه وأشقائه وشقيقاته قلباً يخفق ، حتى ظن أن قلبه أصيب بالشلل الزمن ، فلا تحركه العواطف بقدر ما يحركه الخبز . والظاهر أن دقات قلبه حركت لا إرادياً دقات قلب الفتاة ، فبادلته النظرات ، فلما وصلت ضفة دجلة اليسرى حيته بابتسامة مشرقة جعلت قلبه ينهار لوعة وحباً . وبمرور الوقت عرف أنها تصاحب أمها من جانب ( الكرخ ) لزيارة خالتها في جانب ( الرصافة ) صباح يوم الخميس من كل إسبوع ، فأخذ ينتظر قدومها وينقلها إلى الجانب الآخر ، وينتظر عودتها فيعيدها إلى ( الكرخ ) . وكان الشاب ذا هامة وقامة ، مفتول العضلات حلو اللفتات ، عذب الإبتسامات ، يقطر نخوة وشهامة ، كالأسد في غابته والنمر في عرينه ، وفي كل مرة تمتطي الفتاة وأمها قاربه ذهاباً وإياباً ، يرفض تقاضي الأجور الزهيدة ، فتأبى والدة الفتاة إلا أن تدفع الأجر كاملا ، فيسر هذا التنازل والرفض التعارف بين الطرفين وتبادل الكلمات القصيرة ، كالتحية والسؤال عن الصحة والعافية .
وهمس مرة في أذن الفتاة ، منتهزاً فرصة مغادرة الأم القارب أولاً إلى اليابسة قائلاً : " أحب أن أتزوجك " فقالت :
" أطرق باب والدي ، فتسمع الجواب " . ومضت الأم والفتاة إلى سبيلهما . وبقي الفتى يفكر في أسلوب عرض زواجه بالفتاة على أبويه ، وفي طريقة إقناعهما بهذا العرض ، ومرت أسابيع عدة وهو غارق في تفكيره ، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى ، وكان يلاقي فتاته كل خميس رائحة غادية ، تلاحقه بنظرات العتاب ، وعتاب العينين أبلغ من عتاب الشفتين فكان يغض الطرف خجلاً تارة ، ويقابل نظراتها بالإبتسام تارة أخرى ، وهمست في أذنه ذات صباح : " طرق باب والدي غيرك " ، ثم مضت متعثرة الخطوات ، خجلة متلعثمة ، كأنها إقترفت ذنباً عظيماً .
وعاد الفتى إلى أهله مساءاً ، فأخبر أمه بقصته وفتاته ، فوعدته أن تحمل له الجواب وشيكاً ، وكلمت أمه أباه بالدموع فليس في دارها كساء ولا غذاء ، ولولا حب الوطن لهجرته فيرانه ، إذ ليس فيه ما تأكله ، وليس لديهم درهم ولا دينار وفي الدار غرفة واحدة يطلق عليها اسم الغرفة مجازاً ، لأنها لا تقي من مطر الشتاء ولا من شمس الصيف ، ويدخلها الريح من مواضع وشقوق شتى بدون إستئذان ، وكان قلب الأم والأب مع ولدهما ، ولكن عقليهما كانا بعيدين عنه فقد كانت لدى الوالدين أسباب كثيرة تحول بين ولديهما والزواج ، لعل من تلك الأسباب الفقر والفاقة وغياب المال ، لأن الفلوس تأتي بالعروس ، وضيق المسكن ، والعروس لا بد لها من غرفة تخلو فيها إلى زوجها ويخلو بها .
واختلت الأم بولدها ، تحدثه بالبكاء لا باللسان ، ففهم الفتى منطق الدموع والعبرات ، ومضى إلى سبيله دون أن يبسط عذره أو يحتج ، وجاء يوم الخميس من جديد ، فعاتبته نظراتها عتاباً مراً ، فلما عادت من زيارة خالتها قبيل المغرب عاد بها إلى جانب ( الكرخ ) ، ثم تعقبها خلسة إلى دار أهلها ، وكانت تلتفت إليه كلما استطاعت إلى ذلك سبيلاً ، ومع التفاتتها ابتسامة مشجعة . ووصلت إلى دار أبيها ، فدخلته وأوصدت خلفها الباب ، وحيته قبل أن تتوارى ، وتوقعت أن يزور أباها بصحبة أهله ، وطال انتظارها لزيارته دون أن يفعل ما توقعته . وأصيبت الفتاة بيأس قاتل ، كما أصيب الفتى وطرق باب الفتاة طارق ، فاستجاب له أهلها وتزوجت . وسلا قلب الفتاة بعد زواجها ونسي ، ولكن قلب الفتى لم يسل ولم ينس . وانزاح قنوط الفتاة عن نفسها رويداً رويداً ، وبقي قنوط الفتى في نفسه وأصبح شيئاً بعد شيء حقداً .
وعلم الفتى بزواج فتاته ، فلم تعد ترافق والدتها يوم الخميس من كل إسبوع لزيارة خالتها في جانب ( الرصافة )
ولم يعد الفتى ينتظر الفتاة وأمها يوم الخميس من كل إسبوع ، ليحملهما من جانب النهر إلى الجانب الآخر في غدوهما ورواحهما ، ومضى عامان ، حسبهما الفتى قرنين ، فقد ظل حزيناً ساهماً يفكر بفتاته التي لم يستطع الزواج بها لظروفه الاقتصادية القاسية .. وفي يوم من الأيام ، حمل في قاربه فتاة وطفلاً ، وكان الضباب كثيفاً ، والجو غائما ً
وفي يوم من الأيام ، حمل في قاربه فتاة وطفلاً ، وكان الضباب كثيفاً ، والجو غائماً
وشرع يحرك مجدافيه ، وابتعد بقاربه عن جانب الرصافة ، حتى أصبح في وسط النهر ، وفجأة رأى فتاته تحمل طفلها الرضيع من زوجها الذي زفت إليه ، قبل سنتين ، فأمعن النظر في وجهها طويلا ً ، حتى تأكد م أنها فتاته التي هام بها .
وكانت في شغل شاغل عنه بطفلها ، فناداها وذكرها ، ولم تكن ناسية ، فقالت له : " لست لك اليوم فأنا بذمة زوج ، وهذا طفلي " .
ولكنه تمادى في غيه ، وقد تقمصه الشيطان ، فأصبح نسخة طبق الأصل منه ، وزاد عليه ما يعتلج في نفس الإنسان الأمارة بالسوء .
وراودها عن نفسها فاستعصمت ، وهددها بإغراق طفلها في النهر فما استكانت ، ونفذ وعيده فأغرق طفلها حتى ابتلعه اليم فما هانت ، وهاجمها بخنجره فاستأسدت ، وطعنها بضع طعنات فما ضعفت ، وجرجرها ليضمها إلى صدره فقاومت ، وغلب عليها النزيف فما استسلمت .
ولفظت أنفاسها الأخيرة ، وهي تدافع عن شرفها وعرضها ، فحمل الجاني جثتها وقذفها في الماء الجاري ، وانحدر إلى ركن قصي من ساحل دجلة ، وغسل قاربه من الدماء ، وتخلص من آثار الجريمة بهدوء وروية ، وذهبت الجريمة ، وسجل بأن المجرم مجهول الهوية .
ولكن المجرم لم يصبر على عمله ملاحاً في قاربه ، فقد كان يخيل إليه كلما مر في وسط النهر بالقرب من الموضع الذي ارتكب فيه جريمته ، بأن الطفل الذي أغرقه في اليم يبكي ويستغيث ويسمع الصوت الذي انطلق منه بانياً حين جذبه من أحضان أمه قبل أن يقذفه في اليم ، ويسمع صوت أمه تهدد وتتوعد وتزمجر ، وكأنها في جوار الله تهاجم قاربه هجوماً لا هوادة فيه فيعلو الموج لبكاء الطفل واستغاثته وتهديد أمه وتوعدها ، وإذاأقبل الليل أصبح من المستحيل على الملاح المجرم أن يعبر النهر ، فإن شبحي الطفل وأمه يطاردانه في الظلام ، ومعهما أشباح لا تعد ولا تحصى ، وهجر الملاح قاربه وأصبح جزاراً .
وطالت جلسة الليلة الأخيرة من حياة الملاح القاتل ، وهو يحدث أباه وأمه وإخوانه وأخواته حديثه الأخير .
واقترب موعد تنفيذ حكم الإعدام بالملاح ، فانضم إلى أهله جماعة من الرسميين الذين جاءوا يشهدون تنفيذ الحكم فيه شنقاً حتى الموت . وجاء من يذكر الأهل والموظفين بأن الوقت قد آن للتنفيذ ، وكان الجميع مأخوذين بما سمعوا ، يتمنون أن تطول حياة الملاح ولو دقائق معدودات وجاء من يضع فوق رأس ووجه المحكوم كيساً أسود ، ويقوده إلى المشنقة .
وصاح المجرم قبل أن تسحب اللوحة من تحت رجليه : " فتشوا عن قاتل صاحبكم ، فأنا أشنق لقتلي الرضيع وأمه ، والحكم الذي صدر بحقي ليس من عدل البشر بل من عدل رب البشر ".
وانتهى أمره ، ولكن قصته بقيت عبرة لمن يعتبر .












:mad:

العاشق
05-09-2001, 10:54 PM
سااااحر الوورد بارك الله فيك
بداية رائعة وموفقة
أتمنى لك التوفيق

سااااحر الوورد
05-09-2001, 11:25 PM
أخي العزيز العااااااااشق
:D ألف مليون بليون مليارات التشكرات على كلامك الحلو يا حلو ;)
وفيه قصص أحسن وأحسن بحول الله :D

ابن الحقو
07-09-2001, 06:58 PM
مشكور سااااحر الوورد وماقصرت