عبدالله إدريس
21-03-2002, 05:43 PM
تعد دراسة الصورة الشعرية من الجوانب الهامة في دراسة الشعر و يقول(سي داي لويس):"إن بقدور دراسة الصورة الشعرية أن تلقي من الضوء علي الشعر ،ما تلقيه دراسة أي جانب آخر
من عناصره ، و أن الصورة هي الشيء الثابت في الشعر كله، وكل قصيدة هي في ذاتها صورة"(1)0
و قديما كانت الصورة هي أساس المفاضلة بين الشعراء لدى النقاد و يقول الجاحظ: " فإنما الشعر صياغة ، و ضرب من النسيج ، وجنس من التصوير "و تمثل الصورة عنصرا أساسيا من عناصر التشكيل الجمالي في شعر (حسين سرحان) ـ رحمه الله ـ و بدراسة الصورة في ديوانه (الطائر الغريب) نجد أن الصورة الشعرية تتميز لديه بالتأثر بالبيئة ،و الطبيعة ، وأيضا تتميز بالتتابع.
و من الديوان نقف عند بعض أمثلة للنماذج التي تنم عن أثر البيئة المحيطة بالشاعر في رسمه للصورة ومنها قوله:
تــرادفت الآلام حتى كأنــنا أباعر يستوحي الفلاة طليحها (2)
و قوله:
ألا ما لهذا الليل يألق ضاحــكا ا كأن عليه ألف سيف يشهـــــر(3)
وقوله:
أغـــازل القمــــــــــــــــــــــراء في الموكب الفضـــــــــــــي (4)
و قوله:
و قبضة التراب كالدهناء تحسبها و العود مخضبا يبدو لها ..غابـــا(5)
ففي النماذج السابقة و أمثالها ، يستلهم الشاعر صوره الشعرية من البيئة التي تحيط به، ولا غرو في ذلك، إذا إن البيئة التي نشأ فيها الشاعر هي التي تمده بمدركات الحس، وتسهم في صياغة ذوقه التصويري، فعندما يتناول شاعرنا في تصويره : الإبل و اللاة و الليل و السيف والليلة المقمرة، فذلك دلالة علي تأثره بالبيئة ، و صدق تصويره ، فهو لم يتحدث عن الجليد أو النورس لأنها مشاهد غير بيئية بالنسبة له، أما تتابع الصور لدى الشاعر فمن أمثلتها قوله:
علقت بهن العين ذات عشــــــية فحبونها الاتحاف و الألطافا
يخطرن في بسط النسيم وقد رأى مافيه فأستشفى بهن وشافي
الحسن زخرف كل طرف وامـــق و الطيب فوف فوق نشره الآنافا
حلقن في حلل النعيم سوامــــــــيا وأسف طرفك في الثرى أسفافا (6)
في المثال السابق تتوالى الصور متتابعة قليلة الألفاظ، متعددة الإشعاعات ، قوية التماسك، ترسم صورة كلية للحسن و الجمال.
و نلمس تأثر الصورة الشعرية لديه بالطبيعة في كافة صوره، و ذلك لأن الطبيعة بكل ما تنطوي عليه من أشياء و جزئيات و ظواهر ، هي المصدر الأساسي لإمداد الشاعر بمكونات الصورة(7)، و جمال الطبيعة يستولي علي حس شاعرنا و يستهويه كل الاستهواء بأزهارها، ورياضها ، وسحبها، و رياحها ، ونجومها ، فيقول:
في سدفة الليل بدت نجمة وحدى تبث النور للأوحد
و قوله:
الياسمين يوشي العين رونقه و قد بدى من أغصان مكاسير
و النرجس الحلو نوام النهار فإن أمسى تمطى بأحضان مشاهير(9)
و قوله:
أنظر الي السحـــــــــب الكثيفة كيف تمضي في ســـــــــراها(10)
وقوله:
تجد في الزهر و هو يضوع نشوا و يرقص في كمائمه نــــــــداه(11)
و الأمثلة كثيرة في الديوان ، ونلحظ من الأمثلة السابقة ، في أوصافه للزهر و النرجس والياسمين و السحب، أنها تبلغ علي يديه درجة عالية من الإتقان، و نجد الشاعر يرتكز علي حاستي السمع والبصر و هما أذكى الحواس و أكثرها اجتماعية و روحية. و ما من شاعر إلا و تغني بالربيع، وأي شاعر لا يحب الربيع ، و هو أثر الزمان و شباب الدنيا الفاتن البسام، كل ما فيه مطرب، وكل جوه بهاء و حسن ، ثم هو عظة الله وآيته في خلقه، و يتناول "حسين السرحان" الربيع بأسلوبه الخاص و يأتي تصويره للربيع انعكاسا لحالته النفسية فهو يتحدث عن الربيع الذي ولي:
اسمعي اسمعي حفيف غصون لطمتها الأرياح لطما عنيفا
إنها تبتغي الربيع الذي ولي وألقى علي ثراها الخريفا
كل غصن منها ينوح كما نا حت بنات الهديل نوحا خفيفا(12)
و القاري للأبيات يشعر بجمال الربيع من خلال الصورة المضادة التي رسمها الشاعر لما بعد الربيع ، ومن هذا المثال و الشواهد الشعرية السابقة ندرك أن الطبيعة عند" السرحان" دائما في حالة حركة و نمو، فالزهر يرقص ، و الأغصان تبكي، و هذه الحركة و الحياة و النمو في الطبيعة نراه في صور كثيرة لدى الشاعر .
و أيضا لا تخطيء العين الناقدة رهافة حس الشاعر بالألوان ، فيقدم لنا شعرا تشكيليا ، و الألوان
لا تمثل حالة ثبوت إنما تعطي حركة و تموجا ومنها قوله:
و حل براعم لم تفــــــــتق و أسعد في الوجد مشتاقة
فهذا احمرار وذاك اصفرار و ذاك ينهل من ازرق (13)
و في الحقيقة أن الحديث عن الصورة الشعرية عند "حسين سرحان" بقدر ما هو ممتع ، بقدر ما هو شاق، لأن ديوانه يزخر بالصور الفنية المتعددة، فيجعل الباحث يلهث وراء هذه الصور ، يستخرج منها أوجه الجمال و يخضعها لألوان البيان ، و معايير النقد، و نلاحظ أنه لم يقتصر في تشكيل الصورة علي الأنماط التقليدية ، و إنما يتبني الي جانبها أسلوب تراسل الحواس في تشكيل صوره" و يقوم هذا الأسلوب علي تبادل المعطيات حيث يوصف مدرك حاسة بما يوصف به مدرك حاسة أخري فينتمي أحد طرفي الصورة الي نوع من الحواس ،و ينتمي طرفها الأخر الي نوع مختلف ، فيوصف المرئي بصفات المسموع ، و يوصف المشموم بصفات الملموس،
و هكذا"(14)
و من صور "حسين سرحان" التي تقوم علي تراسل الحواس قوله:
أراك ـ رأتك عين الله ـ خلدا تضوع بالمباهج و الطيوب (15)
فرؤية الخلد من مجال المرئيات، و العادة أن ينعت بنعت من المجال نفسه و لكنه ينعته بنعت من مجال المشمومات ( تضوع بالطيوب)
و قوله:
أراك علي مدي طرف بعيد أراك علي صدى صوت مجيب (16)
و هناـ أيضاـ ينعت الرؤية بنعت من مجال المسموعات (صدى صوت)
و قوله :
و خل الصوت رفافا..فإني رأيت الفحل تتبعه اللقاح (17)
و هو في هذا البيت ينعت الصوت وهو من مجال المسموعات بالرف ،ورف رفا رفيفا و رفافا و يقال رف الطائر و رفت العين أي تحرك ، فهو من مجال المرئيات و مع هذا ينعت به ما هو من مجال المسموعات (الصوت) .
و يلخص لنا "السرحان"نظرية أسلوب التراسل فيبيت يقول فيه:
الصوت في العين لا في الأذن تسمعه لا الموصلي و لا تطريب مزار (18)
لا تتوقف الصورة عند شاعرنا علي أسلوب تراسل الحواس ، إنما نراه يستخدم كل ألوان
الصورة الشعرية كأنه يرسم بالفرشاة لا يكتب بالقلم ، فها هو يلجأ إلي مزج المتناقضات كوسيلة من وسائله الفنية فيرسم الصورة مثل قوله:
لقد تجيء الأماني فيها البيان قبيل المنايــا(19)
و قوله:
أين الجهامة في السحاب من التألق في النـــجم(20)
و قوله:
وإذا تجف يد الكريم تفيض كـفــك يـــا شحيـح(21)
في الأمثلة السابقة نراه يمزج بين متناقضين( الأماني و المناياـ الجهامةو التألق ـ الكريم الشحيح) و كما هو معلوم أن الجمع بين المتناقضين يبرز المعني و يوضح الصورة و يعمقها.
إذا كان التشبية التمثيلي يعتبر أقصي أمتداد للصورة البلاغية و فيه يقول " الجرجاني" "إن المعني إذا أتاك ممثلا فهو في الأكثر يتجلي لك بعد أن يحوجك إلي طلبه بالفكرة و تحريك الهمة في طلبه و ما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر و إباؤه اظهر و احتجاجه أشد .. فإن المعاني الشريفة اللطيفة لابد فيها من بناء ثان علي أول و رد تال إلي سابق"(22)
و أننا لا نعدم هذا اللون البلاغي عند شاعر أصيل مثل "حسين سرحان" و نسوق مثال لذلك:
وإذا البلبل غني و أنتشي في غصون بلحون مستطيلة
مردف البنصر يتلو خنصرا في ضروب من خفاف أو ثقيلة
بات يذكي شعلا في خاطري مثلما تقبس زيتا في فتيلة
تلك أمي و هي في سجدتها يوم تبدوا مثل عذراء نبيلة(23)
كانت هذه لمحة سريعة عن الصورة الشعرية في ديوان " الطائر الغريب" للشاعر المغفور له " حسين سرحان"
الهوامش:
1ـ محمد حسن عبد الله، الصورة و البناء الشعري القاهرة: دار المعارف ، 1981،ص11،12
2ـالديوان،ص20 3ـ الديوان،ص35 4ـ الديوان،ص81 5ـالديوان،ص59
6ـ الديوان،ص13،14 7ـ محمد حسن،مرجع سابق،ص33 8ـالديوان،ص22
9ـالديوان،ص41 10ـالديوان،ص141 11ـ الديوان،ص104 12ـالديوان،ص133
13ـالديوان،ص97 14ـ محمد حسن ،مرجع سابق،ص109 15ـالديوان،ص40
16ـالديوان،ص39 17ـالديوان،ص64 18ـالديوان،ص90 19ـالديوان،ص135
20ـالديوان،ص142 21ـالديوان،ص143
22ـ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، القاهرة:مكتبة القاهرة، 1972،ص235
23_الديوان،ص85
* نقلاً عن المجلة الأدبية الاليكترونية : رؤى اخرى
من عناصره ، و أن الصورة هي الشيء الثابت في الشعر كله، وكل قصيدة هي في ذاتها صورة"(1)0
و قديما كانت الصورة هي أساس المفاضلة بين الشعراء لدى النقاد و يقول الجاحظ: " فإنما الشعر صياغة ، و ضرب من النسيج ، وجنس من التصوير "و تمثل الصورة عنصرا أساسيا من عناصر التشكيل الجمالي في شعر (حسين سرحان) ـ رحمه الله ـ و بدراسة الصورة في ديوانه (الطائر الغريب) نجد أن الصورة الشعرية تتميز لديه بالتأثر بالبيئة ،و الطبيعة ، وأيضا تتميز بالتتابع.
و من الديوان نقف عند بعض أمثلة للنماذج التي تنم عن أثر البيئة المحيطة بالشاعر في رسمه للصورة ومنها قوله:
تــرادفت الآلام حتى كأنــنا أباعر يستوحي الفلاة طليحها (2)
و قوله:
ألا ما لهذا الليل يألق ضاحــكا ا كأن عليه ألف سيف يشهـــــر(3)
وقوله:
أغـــازل القمــــــــــــــــــــــراء في الموكب الفضـــــــــــــي (4)
و قوله:
و قبضة التراب كالدهناء تحسبها و العود مخضبا يبدو لها ..غابـــا(5)
ففي النماذج السابقة و أمثالها ، يستلهم الشاعر صوره الشعرية من البيئة التي تحيط به، ولا غرو في ذلك، إذا إن البيئة التي نشأ فيها الشاعر هي التي تمده بمدركات الحس، وتسهم في صياغة ذوقه التصويري، فعندما يتناول شاعرنا في تصويره : الإبل و اللاة و الليل و السيف والليلة المقمرة، فذلك دلالة علي تأثره بالبيئة ، و صدق تصويره ، فهو لم يتحدث عن الجليد أو النورس لأنها مشاهد غير بيئية بالنسبة له، أما تتابع الصور لدى الشاعر فمن أمثلتها قوله:
علقت بهن العين ذات عشــــــية فحبونها الاتحاف و الألطافا
يخطرن في بسط النسيم وقد رأى مافيه فأستشفى بهن وشافي
الحسن زخرف كل طرف وامـــق و الطيب فوف فوق نشره الآنافا
حلقن في حلل النعيم سوامــــــــيا وأسف طرفك في الثرى أسفافا (6)
في المثال السابق تتوالى الصور متتابعة قليلة الألفاظ، متعددة الإشعاعات ، قوية التماسك، ترسم صورة كلية للحسن و الجمال.
و نلمس تأثر الصورة الشعرية لديه بالطبيعة في كافة صوره، و ذلك لأن الطبيعة بكل ما تنطوي عليه من أشياء و جزئيات و ظواهر ، هي المصدر الأساسي لإمداد الشاعر بمكونات الصورة(7)، و جمال الطبيعة يستولي علي حس شاعرنا و يستهويه كل الاستهواء بأزهارها، ورياضها ، وسحبها، و رياحها ، ونجومها ، فيقول:
في سدفة الليل بدت نجمة وحدى تبث النور للأوحد
و قوله:
الياسمين يوشي العين رونقه و قد بدى من أغصان مكاسير
و النرجس الحلو نوام النهار فإن أمسى تمطى بأحضان مشاهير(9)
و قوله:
أنظر الي السحـــــــــب الكثيفة كيف تمضي في ســـــــــراها(10)
وقوله:
تجد في الزهر و هو يضوع نشوا و يرقص في كمائمه نــــــــداه(11)
و الأمثلة كثيرة في الديوان ، ونلحظ من الأمثلة السابقة ، في أوصافه للزهر و النرجس والياسمين و السحب، أنها تبلغ علي يديه درجة عالية من الإتقان، و نجد الشاعر يرتكز علي حاستي السمع والبصر و هما أذكى الحواس و أكثرها اجتماعية و روحية. و ما من شاعر إلا و تغني بالربيع، وأي شاعر لا يحب الربيع ، و هو أثر الزمان و شباب الدنيا الفاتن البسام، كل ما فيه مطرب، وكل جوه بهاء و حسن ، ثم هو عظة الله وآيته في خلقه، و يتناول "حسين السرحان" الربيع بأسلوبه الخاص و يأتي تصويره للربيع انعكاسا لحالته النفسية فهو يتحدث عن الربيع الذي ولي:
اسمعي اسمعي حفيف غصون لطمتها الأرياح لطما عنيفا
إنها تبتغي الربيع الذي ولي وألقى علي ثراها الخريفا
كل غصن منها ينوح كما نا حت بنات الهديل نوحا خفيفا(12)
و القاري للأبيات يشعر بجمال الربيع من خلال الصورة المضادة التي رسمها الشاعر لما بعد الربيع ، ومن هذا المثال و الشواهد الشعرية السابقة ندرك أن الطبيعة عند" السرحان" دائما في حالة حركة و نمو، فالزهر يرقص ، و الأغصان تبكي، و هذه الحركة و الحياة و النمو في الطبيعة نراه في صور كثيرة لدى الشاعر .
و أيضا لا تخطيء العين الناقدة رهافة حس الشاعر بالألوان ، فيقدم لنا شعرا تشكيليا ، و الألوان
لا تمثل حالة ثبوت إنما تعطي حركة و تموجا ومنها قوله:
و حل براعم لم تفــــــــتق و أسعد في الوجد مشتاقة
فهذا احمرار وذاك اصفرار و ذاك ينهل من ازرق (13)
و في الحقيقة أن الحديث عن الصورة الشعرية عند "حسين سرحان" بقدر ما هو ممتع ، بقدر ما هو شاق، لأن ديوانه يزخر بالصور الفنية المتعددة، فيجعل الباحث يلهث وراء هذه الصور ، يستخرج منها أوجه الجمال و يخضعها لألوان البيان ، و معايير النقد، و نلاحظ أنه لم يقتصر في تشكيل الصورة علي الأنماط التقليدية ، و إنما يتبني الي جانبها أسلوب تراسل الحواس في تشكيل صوره" و يقوم هذا الأسلوب علي تبادل المعطيات حيث يوصف مدرك حاسة بما يوصف به مدرك حاسة أخري فينتمي أحد طرفي الصورة الي نوع من الحواس ،و ينتمي طرفها الأخر الي نوع مختلف ، فيوصف المرئي بصفات المسموع ، و يوصف المشموم بصفات الملموس،
و هكذا"(14)
و من صور "حسين سرحان" التي تقوم علي تراسل الحواس قوله:
أراك ـ رأتك عين الله ـ خلدا تضوع بالمباهج و الطيوب (15)
فرؤية الخلد من مجال المرئيات، و العادة أن ينعت بنعت من المجال نفسه و لكنه ينعته بنعت من مجال المشمومات ( تضوع بالطيوب)
و قوله:
أراك علي مدي طرف بعيد أراك علي صدى صوت مجيب (16)
و هناـ أيضاـ ينعت الرؤية بنعت من مجال المسموعات (صدى صوت)
و قوله :
و خل الصوت رفافا..فإني رأيت الفحل تتبعه اللقاح (17)
و هو في هذا البيت ينعت الصوت وهو من مجال المسموعات بالرف ،ورف رفا رفيفا و رفافا و يقال رف الطائر و رفت العين أي تحرك ، فهو من مجال المرئيات و مع هذا ينعت به ما هو من مجال المسموعات (الصوت) .
و يلخص لنا "السرحان"نظرية أسلوب التراسل فيبيت يقول فيه:
الصوت في العين لا في الأذن تسمعه لا الموصلي و لا تطريب مزار (18)
لا تتوقف الصورة عند شاعرنا علي أسلوب تراسل الحواس ، إنما نراه يستخدم كل ألوان
الصورة الشعرية كأنه يرسم بالفرشاة لا يكتب بالقلم ، فها هو يلجأ إلي مزج المتناقضات كوسيلة من وسائله الفنية فيرسم الصورة مثل قوله:
لقد تجيء الأماني فيها البيان قبيل المنايــا(19)
و قوله:
أين الجهامة في السحاب من التألق في النـــجم(20)
و قوله:
وإذا تجف يد الكريم تفيض كـفــك يـــا شحيـح(21)
في الأمثلة السابقة نراه يمزج بين متناقضين( الأماني و المناياـ الجهامةو التألق ـ الكريم الشحيح) و كما هو معلوم أن الجمع بين المتناقضين يبرز المعني و يوضح الصورة و يعمقها.
إذا كان التشبية التمثيلي يعتبر أقصي أمتداد للصورة البلاغية و فيه يقول " الجرجاني" "إن المعني إذا أتاك ممثلا فهو في الأكثر يتجلي لك بعد أن يحوجك إلي طلبه بالفكرة و تحريك الهمة في طلبه و ما كان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر و إباؤه اظهر و احتجاجه أشد .. فإن المعاني الشريفة اللطيفة لابد فيها من بناء ثان علي أول و رد تال إلي سابق"(22)
و أننا لا نعدم هذا اللون البلاغي عند شاعر أصيل مثل "حسين سرحان" و نسوق مثال لذلك:
وإذا البلبل غني و أنتشي في غصون بلحون مستطيلة
مردف البنصر يتلو خنصرا في ضروب من خفاف أو ثقيلة
بات يذكي شعلا في خاطري مثلما تقبس زيتا في فتيلة
تلك أمي و هي في سجدتها يوم تبدوا مثل عذراء نبيلة(23)
كانت هذه لمحة سريعة عن الصورة الشعرية في ديوان " الطائر الغريب" للشاعر المغفور له " حسين سرحان"
الهوامش:
1ـ محمد حسن عبد الله، الصورة و البناء الشعري القاهرة: دار المعارف ، 1981،ص11،12
2ـالديوان،ص20 3ـ الديوان،ص35 4ـ الديوان،ص81 5ـالديوان،ص59
6ـ الديوان،ص13،14 7ـ محمد حسن،مرجع سابق،ص33 8ـالديوان،ص22
9ـالديوان،ص41 10ـالديوان،ص141 11ـ الديوان،ص104 12ـالديوان،ص133
13ـالديوان،ص97 14ـ محمد حسن ،مرجع سابق،ص109 15ـالديوان،ص40
16ـالديوان،ص39 17ـالديوان،ص64 18ـالديوان،ص90 19ـالديوان،ص135
20ـالديوان،ص142 21ـالديوان،ص143
22ـ عبد القاهر الجرجاني، أسرار البلاغة، القاهرة:مكتبة القاهرة، 1972،ص235
23_الديوان،ص85
* نقلاً عن المجلة الأدبية الاليكترونية : رؤى اخرى