همسة أمل
19-01-2006, 06:30 AM
إلى الناصحة المخلصة... إلى مديرتي مع التحية
--------------------------------------------------------------------------------
إلى كل مدير ومديرة... كل معلم ومعلمة.... كل مرب ومربية... إلى كل من دخل ميدان التربية... أطالبكم بمراجعة أنفسكم... بمحاكمتها قبل أن تحاكم من الأجيال القادمة.... هل الضمائر مرتاحة ونحن نرى شبابا ضائعا يشكو... يصرخ... فهل تسمعون نداءهم؟.... الطالب الغاضب... الطالبة المشاغبة يريدان من يفهمهما... من يحتويهما ويحاورهما.... أنا لا أطالب بتجاهل المخالفات ولكن دراسة ما وراءها... إن صرف بعض الوقت للتقرب ممن وصموا بالمشاغبة أو الكسل أو التهرب من الدراسة سوف يكون العائد كنوزا لا تحصى من المصلحين والقادة والمربين... لا يوجد طالب غير قادر على التعلم... ولكن يوجد طالب غير راغب بالتعلم...كل حسب قدراته....كل حسب إرادته.... فإما أن تكونوا الصديق الناصح المخلص.... القدوة التي تشد على أيديهم وتدلهم على الطريق... تحثهم على العلم والعمل.... أو تكونوا من يحطم روحاً... يكسر آمالا ويقضي على مستقبل واعد.... فإن كان الحمل فوق قدراتكم أرجوكم أن تجدوا مجالا آخر ولا تخاطروا بمستقبل شباب المستقبل!
خلال أيام الدراسة الجامعية طلب مني القيام بدراسة حالة لطالبة مشاغبة للتوصل للأسباب التي دفعت بها إلى ذلك السلوك.... حددت الطالبة من أول خمس دقائق لدخولي الفصل.... من خلال حديثي معها وأجوبتها اكتشفت العقل الذكي... واكتشفت الروح الجريحة التي كانت ترد بالتمرد لتغطية ألمها.... لقد كانت تعاني من عنف أسري.... والد يقوم بضرب الأم لأتفه الأسباب لمجرد فرض سلطته.... وهي كانت تفتعل المشاكل في المنزل كي تتلقى ضرب الأب.... أي تفرغ شحنة الغضب لديه عليها كي تحمي أمها... ماذا فعلت المدرسة؟ مع أول مخالفة لهذه الطالبة أحضرت الأم، الضعيفة أصلا، وقامت المديرة بتوبيخها أمام ابنتها! فماذا كان رد فعل الطالبة؟ الانتقام لكرامة أمها.... هذه الأم التي كانت تتحمل الكثير من أجل أن تحميها.... تمردها ذكرني بإنسانة كنت قد نسيتها.... أو اعتقدت بأنني نسيتها.... ذكرتني بنفسي عندما كنت في مثل سنها... لم يكن بوسعي فعل شيء لها لأنني كنت طالبة ولا يحق لي التدخل بالإضافة إلى أنني كنت جديدة في هذا المجال ولم أكن قد تعرفت على القوانين أو الصلاحيات.... ربما لم أستطع مساعدتها ولكنني من أجلها ومن أجل كل طالب وطالبة مثلها أكتب وسأكتب.... أدرس وسأدرس.... أحاضر وسأحاضر.... وإن مللتم مني... فأنا لن أمل أو أتوقف طالما لدي القدرة على كل ذلك... فأنا كنت محظوظة ووجدت من أرشدني وتحملني وحملني الأمانة.
بالنسبة لي أيام الدراسة مضت وانطوت... لم تعد سوى ذكريات تعيش في قلبي ووجداني.... أيام أعرف بأنها باقية حية طالما أنا أتنفس.... طالما أنا أتذكر..... ومن داخل كهف ذكرياتي أسترجع صورة إنسانة آمنت بي وبقدراتي قبل أن أؤمن بوجودي... بكياني... إنسانة أعطتني من وقتها وصبرت وامتصت ثورتي.... فهمت غضبي واحتوته... إنسانة لم تتعب أو تمل، رغم مللي وتذمري، من إعادة سرد القصص والحكم علي حتى شكلت لدي مخزون القيم الإنسانية العامة الذي أقيس عليه اليوم كل موقف أواجهه.
كيف لي أن أتذكر أيام الطفولة.... أيام البراءة واللعب والمرح.... كيف أستعيدها من غير أن أراها أمامي امرأة شديدة القسوة في العقاب ولكنها كانت تملك قلب ملاك.... كنت في بداية مشواري معها طفلة طبيعية تلعب وتمرح ولكنني لم أكن أجرؤ على مخالفة الأنظمة والقوانين.... وبعد وفاة أبي - رحمه الله - تحولت إلى طفلة انطوائية هادئة... تبحث عن أبيها بين أوراق الكتب... تقرأ وتقرأ لعلها تبقيه بقربها وتطمئن لوجوده.... ومع بداية فترة المراهقة اتهمت ظلما بالمشاغبة وطلبت لمقابلة المديرة العامة للمدارس.... لم تترك بداخلي شعورا إلا وجرحته.... ولأول مرة بعد وفاة أبي شعرت بمرارة اليتم.... شعرت بالنقص.... كرهت نفسي وكرهتها... وصممت عندها بأن أثور.... "أنا مشاغبة! فلأريهم ما هي المشاغبة إذا"..... لم أترك ساحة دون أن أعلم فيها بصمتي.... غرفة الصف.... الملعب.... المطعم... حتى المكتبة التي كانت ملاذي الوحيد لم تسلم مني... وأصبحت كلمة المشاغبة مقرونة باسمي.... إلى أن أخذتني هي تحت جناحيها.... تحدثت للإنسانة الثائرة بداخلي وأخمدت نيران الغضب بكلماتها..... وقالت لي "سوف تلتزمين بالقوانين.... وستشاركين بالأنشطة.... وستكملين تعليمك...... وذات يوم ستصبحين ممن لهن تأثير إيجابي على غيرك.... وهذا ليس لأنني أريد ذلك.... وليس لأنك تريدين ذلك.... ولكن لأنك قادرة على ذلك"... لم يحصل التحول بين يوم وليلة ولكنه حصل.... أذعنت لإصرارها... أذعنت للمحبة التي كانت تغمرني بها... وأنا التي لم أكن أعتقد بأنني أستحق شيئا من هذا! أكملت دراستي وتخرجت ولكن بقي حائط في داخلي يحول بيني وبين تقدير أهمية العلم والمعرفة إلى أن حضرت محاضرة لأستاذة في التربية في جامعة جورج واشنطن.... تحدثت فيها عن الأمانة التي نحملها.... عن العلم الذي يجب أن نترجمه إلى عمليات تطوير وتحديث التربية والتعليم كل في بلده.... من أجل أن نساهم في بناء أوطاننا ونؤمن مستقبل أبنائنا من شباب المستقبل... عندها فقط تذكرتها.... تذكرت تلك الناصحة المخلصة الصبورة.... تذكرت كيف كانت تؤمن بي وشعرت حينها بحمل ثقيل يجثم فوق ظهري.... كيف سأبدأ وأين ومتى؟ أسئلة كانت تدور بداخلي ولكن الله سبحانه وتعالى كان بإرادته وبمشيئته يدفعني إلى طريق التربية.... عندها تحطم الحائط ووجدت نفسي أنهل من العلم والمعرفة ليس من أجل الشهادة ولكن من أجل أن أكون على قدر المسؤولية... قادرة على خلق "التأثير الإيجابي" الذي طالبتني به.... مشوار العلم والبحث والدراسة لم ولن ينتهي ولكن مشوار العمل والتأثير والصبر بدأ.... كل ما أتمناه أن أصبح مثلها.... أن أغير حياة إنسانة فربما... ربما كتب الله لها أن تكون ممن يساعدون الغير من خلال علمهم ومعرفتهم.
كيف أكافئ إنسانة مثلها... كيف أشكر قدوة مثلها وهي لم تعد بيننا.... إليك يا مديرتي.... إليك يا قدوتي وملهمتي... إليك يا من آمنت بي حين تركني وتخلى عني البقية.... إليك أقدم عملي.... إليك أقدم وعدي بأن أكون كما رأيتني.... كما حلمت لي... سأكون مثلك الشمعة التي تضيء ظلام حياة طالبة حزينة متمردة أو ضائعة... إليك يا مرشدتي وإلى كل مرشد ومرشدة.... كل معلم ومعلمة.... كل مدير ومديرة يرون ما وراء المخالفات والمشاغبات وثورات الغضب.... أهدي محبتي وشكري وتقديري.
موضوع رائع للكاتبة
ميسون عبدالعزيز الدخيل
*كاتبة سعودية
فنقلته للاستفادة
--------------------------------------------------------------------------------
إلى كل مدير ومديرة... كل معلم ومعلمة.... كل مرب ومربية... إلى كل من دخل ميدان التربية... أطالبكم بمراجعة أنفسكم... بمحاكمتها قبل أن تحاكم من الأجيال القادمة.... هل الضمائر مرتاحة ونحن نرى شبابا ضائعا يشكو... يصرخ... فهل تسمعون نداءهم؟.... الطالب الغاضب... الطالبة المشاغبة يريدان من يفهمهما... من يحتويهما ويحاورهما.... أنا لا أطالب بتجاهل المخالفات ولكن دراسة ما وراءها... إن صرف بعض الوقت للتقرب ممن وصموا بالمشاغبة أو الكسل أو التهرب من الدراسة سوف يكون العائد كنوزا لا تحصى من المصلحين والقادة والمربين... لا يوجد طالب غير قادر على التعلم... ولكن يوجد طالب غير راغب بالتعلم...كل حسب قدراته....كل حسب إرادته.... فإما أن تكونوا الصديق الناصح المخلص.... القدوة التي تشد على أيديهم وتدلهم على الطريق... تحثهم على العلم والعمل.... أو تكونوا من يحطم روحاً... يكسر آمالا ويقضي على مستقبل واعد.... فإن كان الحمل فوق قدراتكم أرجوكم أن تجدوا مجالا آخر ولا تخاطروا بمستقبل شباب المستقبل!
خلال أيام الدراسة الجامعية طلب مني القيام بدراسة حالة لطالبة مشاغبة للتوصل للأسباب التي دفعت بها إلى ذلك السلوك.... حددت الطالبة من أول خمس دقائق لدخولي الفصل.... من خلال حديثي معها وأجوبتها اكتشفت العقل الذكي... واكتشفت الروح الجريحة التي كانت ترد بالتمرد لتغطية ألمها.... لقد كانت تعاني من عنف أسري.... والد يقوم بضرب الأم لأتفه الأسباب لمجرد فرض سلطته.... وهي كانت تفتعل المشاكل في المنزل كي تتلقى ضرب الأب.... أي تفرغ شحنة الغضب لديه عليها كي تحمي أمها... ماذا فعلت المدرسة؟ مع أول مخالفة لهذه الطالبة أحضرت الأم، الضعيفة أصلا، وقامت المديرة بتوبيخها أمام ابنتها! فماذا كان رد فعل الطالبة؟ الانتقام لكرامة أمها.... هذه الأم التي كانت تتحمل الكثير من أجل أن تحميها.... تمردها ذكرني بإنسانة كنت قد نسيتها.... أو اعتقدت بأنني نسيتها.... ذكرتني بنفسي عندما كنت في مثل سنها... لم يكن بوسعي فعل شيء لها لأنني كنت طالبة ولا يحق لي التدخل بالإضافة إلى أنني كنت جديدة في هذا المجال ولم أكن قد تعرفت على القوانين أو الصلاحيات.... ربما لم أستطع مساعدتها ولكنني من أجلها ومن أجل كل طالب وطالبة مثلها أكتب وسأكتب.... أدرس وسأدرس.... أحاضر وسأحاضر.... وإن مللتم مني... فأنا لن أمل أو أتوقف طالما لدي القدرة على كل ذلك... فأنا كنت محظوظة ووجدت من أرشدني وتحملني وحملني الأمانة.
بالنسبة لي أيام الدراسة مضت وانطوت... لم تعد سوى ذكريات تعيش في قلبي ووجداني.... أيام أعرف بأنها باقية حية طالما أنا أتنفس.... طالما أنا أتذكر..... ومن داخل كهف ذكرياتي أسترجع صورة إنسانة آمنت بي وبقدراتي قبل أن أؤمن بوجودي... بكياني... إنسانة أعطتني من وقتها وصبرت وامتصت ثورتي.... فهمت غضبي واحتوته... إنسانة لم تتعب أو تمل، رغم مللي وتذمري، من إعادة سرد القصص والحكم علي حتى شكلت لدي مخزون القيم الإنسانية العامة الذي أقيس عليه اليوم كل موقف أواجهه.
كيف لي أن أتذكر أيام الطفولة.... أيام البراءة واللعب والمرح.... كيف أستعيدها من غير أن أراها أمامي امرأة شديدة القسوة في العقاب ولكنها كانت تملك قلب ملاك.... كنت في بداية مشواري معها طفلة طبيعية تلعب وتمرح ولكنني لم أكن أجرؤ على مخالفة الأنظمة والقوانين.... وبعد وفاة أبي - رحمه الله - تحولت إلى طفلة انطوائية هادئة... تبحث عن أبيها بين أوراق الكتب... تقرأ وتقرأ لعلها تبقيه بقربها وتطمئن لوجوده.... ومع بداية فترة المراهقة اتهمت ظلما بالمشاغبة وطلبت لمقابلة المديرة العامة للمدارس.... لم تترك بداخلي شعورا إلا وجرحته.... ولأول مرة بعد وفاة أبي شعرت بمرارة اليتم.... شعرت بالنقص.... كرهت نفسي وكرهتها... وصممت عندها بأن أثور.... "أنا مشاغبة! فلأريهم ما هي المشاغبة إذا"..... لم أترك ساحة دون أن أعلم فيها بصمتي.... غرفة الصف.... الملعب.... المطعم... حتى المكتبة التي كانت ملاذي الوحيد لم تسلم مني... وأصبحت كلمة المشاغبة مقرونة باسمي.... إلى أن أخذتني هي تحت جناحيها.... تحدثت للإنسانة الثائرة بداخلي وأخمدت نيران الغضب بكلماتها..... وقالت لي "سوف تلتزمين بالقوانين.... وستشاركين بالأنشطة.... وستكملين تعليمك...... وذات يوم ستصبحين ممن لهن تأثير إيجابي على غيرك.... وهذا ليس لأنني أريد ذلك.... وليس لأنك تريدين ذلك.... ولكن لأنك قادرة على ذلك"... لم يحصل التحول بين يوم وليلة ولكنه حصل.... أذعنت لإصرارها... أذعنت للمحبة التي كانت تغمرني بها... وأنا التي لم أكن أعتقد بأنني أستحق شيئا من هذا! أكملت دراستي وتخرجت ولكن بقي حائط في داخلي يحول بيني وبين تقدير أهمية العلم والمعرفة إلى أن حضرت محاضرة لأستاذة في التربية في جامعة جورج واشنطن.... تحدثت فيها عن الأمانة التي نحملها.... عن العلم الذي يجب أن نترجمه إلى عمليات تطوير وتحديث التربية والتعليم كل في بلده.... من أجل أن نساهم في بناء أوطاننا ونؤمن مستقبل أبنائنا من شباب المستقبل... عندها فقط تذكرتها.... تذكرت تلك الناصحة المخلصة الصبورة.... تذكرت كيف كانت تؤمن بي وشعرت حينها بحمل ثقيل يجثم فوق ظهري.... كيف سأبدأ وأين ومتى؟ أسئلة كانت تدور بداخلي ولكن الله سبحانه وتعالى كان بإرادته وبمشيئته يدفعني إلى طريق التربية.... عندها تحطم الحائط ووجدت نفسي أنهل من العلم والمعرفة ليس من أجل الشهادة ولكن من أجل أن أكون على قدر المسؤولية... قادرة على خلق "التأثير الإيجابي" الذي طالبتني به.... مشوار العلم والبحث والدراسة لم ولن ينتهي ولكن مشوار العمل والتأثير والصبر بدأ.... كل ما أتمناه أن أصبح مثلها.... أن أغير حياة إنسانة فربما... ربما كتب الله لها أن تكون ممن يساعدون الغير من خلال علمهم ومعرفتهم.
كيف أكافئ إنسانة مثلها... كيف أشكر قدوة مثلها وهي لم تعد بيننا.... إليك يا مديرتي.... إليك يا قدوتي وملهمتي... إليك يا من آمنت بي حين تركني وتخلى عني البقية.... إليك أقدم عملي.... إليك أقدم وعدي بأن أكون كما رأيتني.... كما حلمت لي... سأكون مثلك الشمعة التي تضيء ظلام حياة طالبة حزينة متمردة أو ضائعة... إليك يا مرشدتي وإلى كل مرشد ومرشدة.... كل معلم ومعلمة.... كل مدير ومديرة يرون ما وراء المخالفات والمشاغبات وثورات الغضب.... أهدي محبتي وشكري وتقديري.
موضوع رائع للكاتبة
ميسون عبدالعزيز الدخيل
*كاتبة سعودية
فنقلته للاستفادة