المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معاداة السامية والتوظيف الصهيوني لها


صبياني
20-01-2002, 07:12 AM
معاداة السامية مصطلح صكه الصحافي الألماني (ولهم مار) عام 1879 في كتاب صادر له تحت عنوان (انتصار اليهودية على الألمانية من منظور غير ديني) وكان ذلك بعد الحرب البروسية الفرنسية التي تسببت في انهيار كثير من رجال المال الألمان,


مما ساعد في ظهور مناخ ينحي باللائمة على اليهود ودورهم في ذلك الانهيار ــ كما يذكر د. عبد الوهاب المسيري في صفحة 267 من موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية ــ لكن السامية في هذا الكتاب كانت تختص اليهود فقط بدلالتها, وكان ذلك تعبيراً عن توظيف أيديولوجي سيدته الحركة الصهيونية واليهودية العنصرية فترات طويلة في التاريخ, ولعل ما قاله ناحوم جولدمان يكشف عن ذلك التوظيف ويعري جوهره (نحن ذهبنا إلى الشتات بملء إرادتنا الحرة, تماماً مثلما أوجدنا الجيتو طوعاً لأجل البقاء في الشتات) جولدمان : السيرة الذاتية. ص, 78 وفي نفس الصفحة يقول (ليس من الممكن إكراه شعب في المدى الطويل, والاستبداد لا يعدو كونه أكثر من حادثة عابرة. ففي نهاية المطاف يعيش كل شعب كما يريد هو أن يعيش, مثلما يستحق مصيره بطريقة ما. والشعب لا يبيده شعب آخر أبداً. فجريمة إبادة الجنس لا توجد في التاريخ).


لكن هرتزل زعيم الحركة الصهيونية ومؤسس الصهيونية السياسية كان يعلم استهدافات وأغراض الحركة, كما كان يعي دور الأيديولوجية الصهيونية في ذلك, ومن هنا كان في العداء للسامية باعثاً دائماً يحفز اليهود إلى اكتشاف هويتهم و الالتفاف حول بعضهم ورص الصفوف مرتكزين على العنصر العقيدي الصهيوني القائل بضرورة إبطال الجالوت أو النفي ولا سبيل إلى ذلك الإبطال إلا باستخدامه كحافز ومحرك للانتقال إلى حالة صهيونية جديدة. هذا هو المقصود بـ (سلب الجالوت) أو تجاوز المنفى عن طريق الاستعانة بوجود العداء للسامية ــ كما يذكر د.أسعد مرزوق في كتابه (مقالات في الصهيونية الحديثة ص 184).


لذا كان طبيعياً أن يعتبر هرتزل عداء السامية بمثابة خاصية طبيعية وأبدية تتأصل في الطبع الإنساني عند الأمم, وفي ذلك يقول (إن الأمم التي يعيش اليهود بين ظهرانيها كلها عدوة للسامية, إما في الباطن أو في الظاهر) و(لولا العداء للسامية, لما كنا حافظنا على يهوديتنا, فهو الذي جعل من اليهود يهوداً).


و هكذا استطاعت اليهودية العنصرية والحركة الصهيونية عبر توظيف أفكارها العنصرية عن الأغيار وشعب الله المختار والمدنسين من الأمم, أن تصيغ عقلية اليهود بصياغة دينية كما يقول إسرائيل شاحاك في كتابه (التاريخ اليهودي: الديانة اليهودية وطأت ثلاثة آلاف سنة) (لذلك كان صحيحاً تماماً, أن اليهودي لا يستطيع أن يشرب حتى كوب ماء في بيت غير يهودي. وقواعد السلوك الأساسية تجاه غير اليهود كانت مطبقة من اليمن حتى نيويورك. ومهما كان التعبير الذي يمكن أن يوصف به اليهود عام 1780 و لا أود هنا, الدخول في نزاع ميتافيزيقي حول التعابير مثل (أمة) و(شعب) فالواضح هو أن كل الجاليات اليهودية, كانت في ذلك الوقت, منعزلة عن المجتمعات غير اليهودية, التي كانت تعيش في وسطها). وفي نفس الكتاب يكشف لنا إسرائيل شاحاك كيف أن بنية العقلية اليهودية الصوفية (الدارجة حالياً عند بعض الأوساط في إسرائيل) تنظر إلى الأغيار باعتبارهم سلالة شيطان, وأن الأفراد القلائل الذين يتحولون إلى اليهودية, هم في الحقيقة أرواح فقدت عندما اغتصب الشيطان السيدة المقدسة (شيخينا أومانزونايت, أحد العناصر الأنثوية في رأس الإله الذكر الأصغر, حسب ما تقول القبالية).


وعن السمات اليهودية التي استخدمها المثقفون في الغرب في حملاتهم ضد اليهود, يذكر إسرائيل شاحاك سبب ذلك في طبيعة الجاليات اليهودية وسلطات زعمائها الشموليين حيث كانت (النكتة ممنوعة بتاتاً في الديانة إلا إذا كانت سخرية من الديانات الأخرى. وهجاء الحاخاميين أو زعامة الجالية, لم تعرفه اليهودية ولو في نطاق ضيق .. ولا توجد مسرحيات هزلية يهودية .. أو خذ مثلاً حب التعليم, باستثناء التعليم الديني البحت الذي كان هو أيضاً فاسداً ومتدنياً, كان يهود أوروبا (وإلى مدى أقل يهود الدول العربية) قبل 1780م يكنون احتقاراً شديداً وكرهاً لكل أنواع التعليم (عدا التلمود والتصوف اليهودي) وأجزاء عديدة من العهد القديم والشعر العبري غير الديني. ومعظم كتب الفلسفة اليهودية لم تكن تقرأ, حتى أن أسماءها كانت ملعونة. ودراسة كل اللغات كانت ممنوعة بتاتاً. وكذلك دراسة الرياضيات والعلوم والجغرافيا والتاريخ وحتى التاريخ اليهودي) كان عالماً غارقاً في الخرافات المرذولة والجهل والتعصب, لذا فإن تضافر تلك الحالة مع حياة الجيتو بكافة خصائصها والطقوس والعبادات اليهودية والأدوار الوظيفية لليهود في الحياة الاقتصادية للمجتمعات الحاضنة لهم, حيث كانوا يشكلون جماعات وظيفية قتالية وتجارية في المجتمعات القديمة, وكذلك في المجتمعات الغربية حتى القرن ,19 وعن ذلك يقول د. عبد الوهاب المسيري في موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية الجزء الثاني) (وقد كانت الجماعات الوظيفية تتكون دائماً من عناصر بشرية غريبة عن المجتمع حتى يمكنها أن تضطلع بوظائف كريهة أو مشبوهة أو متميزة تتطلب الموضوعية وعدم الانتماء, مثل: التجارة والربا والقتال والبغاء).


و لا يجب أن ننسى الصراع الدامي بين المسيحية واليهودية والناتج عن عدم اعتراف اليهودية بمجيء المسيح, وبالتالي عدم صلبها له, إلا أن المسيحية ترى أن دم المسيح معلق في رقبة اليهود, لذا ليس غريباً أن نجد كثير من النصوص المقدسة عند اليهود لا تتوانى عن سب المسيح والمسيحية والمؤمنين بها, بل وتعتبر المسيحية ديانة وثنية, ويحكي عن ذلك إسرائيل شاحاك في كتابه المذكور سابقاً أنه (في عام 1962 نشر في القدس جزءا من القانون الميموني وهو المسمى (كتاب المعرفة) الذي يحوي معظم القواعد الأساسية للإيمان اليهودي والعبادات, بالعبرية ويقابلها ترجمة إنجليزية. فأعيد النص العبري إلى أصله, والآمر بإبادة اليهود الكفرة (الواجب يقضي بأن يبيدهم المرء بيديه). أما في الترجمة الإنجليزية, فقد جرى تلطيفه: (الواجب يقضي باتخاذ تدابير نشطة لتدميرهم). ولكن النص العبري يواصل الحديث لتحديد أمثلة مختارة من (الكفار) الذين يجب أن يبادوا.


و من المعروف أن النصوص الدينية اليهودية لا تذكر اسم المسيح بدون أن تقرنه بتعبير (ليختفي اسم الشرير) كل عوامل تلك البيئة جعلت المجتمعات الحاضنة لليهود تشكل رد فعل تجاه عنصرية اليهود سماه البعض معاداة السامية, ومما لا شك فيه إنه قد حدث اضطهاد ليهود في الفترة الكلاسيكية من التاريخ القديم وحدث أيضاً في التاريخ الحديث (الهولوكوست), لكن هناك فرقاً واضحاً بين الفترتين, ففي فترة التاريخ القديم كانت الاضطهادات والحوادث الواقعة ليهود بعض المجتمعات الحاضنة لهم تعبيراً عن حركات شعبية غاضبة وثائرة على سلطاتها ونخبها, وكان بعض اليهود جزءاً من رقائق السطح من حيث المصلحة وفتاوى الحاخامات التي تسمح بنسج علاقات بين اليهود وتلك الرقائق.


لأمين إسكندر -- نقلا عن البيان الإماراتية -- يتبع

صبياني
20-01-2002, 07:13 AM
لم تدخل ألمانيا حلبة الاستعمار إلا في أواخر المرحلة بعد أن كانت إنجلترا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وبلجيكا قد أخذت معظم الكعكة, ومن هنا فألمانيا كانت محرومة تقريباً من مجال استعماري تصدر،


إليه مشاكلها وبالذات بعدما ضربت في الحرب العالمية الأولى, ومن هنا كان تركيز المشروع النازي على تفريغ مناطق الجوار من السلاف, وبالفعل تمت إبادة الملايين منهم, بأعداد تفوق اليهود, وقد حدث أن المناطق التي كان النازيون يودون ضمها كانت تضم يهوداً كان لابد من القضاء عليها, كما شهدت أوروبا في تلك الفترة انتشار الأفكار الداروينية الاجتماعية وفلسفة نيتشه التي لاقت ذيوعاً واسعاً بحيث أصبحت شعارات مثل البقاء للأصلح, دليلاً للعمل ومرشداً للتقدم.


هذا بالإضافة إلى وضع اليهود ذاته في ألمانيا, حيث كانوا مع منتصف القرن 19 في وضع ونفوذ وشأن (ثلاثة من أهم مستشاري بسمارك من اليهود), وكان منهم كبار التجار وساكنو المدن الكبرى, وبروز مساوئ يهود بولندا المنغلقين وبالذات بعد ضم بولندا إلى ألمانيا, وبعد الحرب العالمية الأولى تحولت ألمانيا إلى مركز للثقافة العبرية نتيجة لهرب عدد من الكتاب اليهود من روسيا.


وقد أدى كل ذلك إلى أن أصبح اليهود عنصراً عضوياً غريباً يقف خارج المجتمع, وهنا جاء الدور البارز لفرع المنظمة الصهيونية في ألمانيا والذي ترأسه كورت بلومنفلد في طرح شعارات قومية كانت معاكسة لدعوات الاندماج وروحها. وهكذا هيأت التربة لاستقبال النازية وتطهيرها للغرباء. لكن يجب ألا ننسى أن هناك علاقات وثيقة قامت بين الصهاينة واللاساميين مثل علاقة هيرتزل بفون بليهفي الوزير اللاسامي في حكومة القيصر نيقولا الثاني, وعلاقة جابوتنسكي مع تبلورا القائد الأوكراني الذي نفذ مذابح قتل آلاف من اليهود عام ,1918 وعلاقة بن جوريون مع اليمين الفرنسي المتطرف إبان حرب التحرير الجزائرية وكانوا ضد يهود فرنسا.


وربما كان أفظع تلك الأمثلة الترحيب بصعود هتلر إلى السلطة لأنه يشاركهم الاعتقاد بالتفوق العرقي, وبمعارضته لاستيعاب اليهود ضمن العرق (الآري), فهنأوا هتلر بمناسبة انتصاره على العدو المشترك: قوى الليبرالية وقد كتب ذلك الدكتور جواشيم برنز ــ الحاخام الصهيوني ــ نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الأسبق, في كتابه (نحن اليهود) (معنى الثورة الألمانية بالنسبة للأمة الألمانية, سيتضح في نهاية الأمر لأولئك الذين أوجدوها وشكلوا صورتها. لكن معناها بالنسبة لنا يجب تحديده فوراً: (فقدت الليبرالية مستقبلها, الشكل الوحيد للحياة السياسية التي ساعدت على اندماج اليهود, قد غرق) وبالإضافة لذلك, قال (نريد استبدال الاندماج بقانون جديد: إعلان الانتماء إلى الأمة اليهودية والعرق اليهودي, الدولة القائمة على مبدأ نقاء الأمة والعرق, لا يمكن أن يحترمها ويجلها إلا اليهودي الذي يعلن انتماء من هذا النوع).


هكذا ينكشف لنا من خلال سياق تطور الغرب ومجتمعاته, كيف ساهم اليهود والحركة الصهيونية في ذيوع فكر وممارسة معاداة السامية, وكيف كانوا في مرحلة يعتبرونها طريق الحفاظ على نقاء العرق ووضوح الهوية. ومن هنا أيضاً ساد لدى كثير من الرأي العام ــ وبالذات في الغرب ــ أن معاداة السامية تعني معاداة اليهود, وهذا ليس صحيحاً وليس دقيقاً, حيث أن السامية تعني عند العلماء ثلاثة احتمالات: الانتماء للديانات السامية عند مجموعة من الشعوب التي تنتمي لأصل واحد وتشمل العرب والعبرانيين والفينيقيين والآراميين والبابليين والآشوريين, التي سكنت منذ القدم شبه الجزيرة الكبرى (أراضي سوريا وبين النهرين والعراق من شواطئ المتوسط إلى سفوح جبال إيران وأرمينيا). وإلى هذه الشعوب ينتمي ثلاثة من أصحاب الديانات الكبرى في العالم ــ الديانات الإيجابية التي لم تنشأ على نسق الوثنية القديمة بل تعود في أصولها إلى تعاليم من الوحي الإلهي ــ كما يذكر روبرتسن سميث في (محاضرات في ديانة الساميين).


إذن نحن أمام ثلاثة من الأديان الإلهية اعتنقتها شعوب عديدة في أرض الجزيرة العربية, وهكذا نستطيع أن نؤكد أن السامية قد ظلت تلك المنطقة كلها بدياناتها وشعوبها وحضاراتها. و من المعروف أيضاً أن السامية تعود إلى سام بن نوح, وذلك بعدما تم إنزال غضب الرب على الإنسان من ذرية آدم وحواء (قال) الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته (تكوين 5:6 ــ 7), وإثر ذلك قرر الرب أن ينزل بالعالم كارثة الطوفان, عندها كان نوح قد (وجد نعمة في عيني الرب) وأمره قائلاً: (اصنع فلكاً من خشب, وهكذا نجا نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه (تكوين 7:7). أما البشر الجدد الذين عمروا الأرض بعد الطوفان, سلالة نوح (سام ــ حام ــ يافث). ذهب سام واستوطن بلاد العرب وما يليها من أقطار الشرق الأدنى, وحام استوطن أفريقيا, ويافث استوطن أوروبا وآسيا الصغرى ــ ذلك ما أخذ به فلاسفة الشرق. ويتبين من ذلك أن سام خرج من عباءته شعوب سامية متعددة, ويتناول روبرتسن سميث ــ العالم الأشهر ــ في ديانة الساميين ذلك قائلاً: (يميل معظم المفسرين إلى النظر إلى تصنيف المجموعات البشرية ــ كما ورد في الإصحاح العاشر على اعتبار أنه قائم على أسس جغرافية وسياسية لا على أسس عرقية, فالفينيقيون والكنعانيون ــ على سبيل المثال ــ يعتبرون من نسل حام وأبناء عم المصريين, وهو تصنيف أقرب إلى الحقيقة التاريخية, لآن كنعان ظلت لعدة قرون خاضعة لمصر في حقبة سابقة على الغزو العبراني, ومن ثم فقد وقعت الديانة والحضارة الفينيقية تحت التأثير المصري. أما من الناحية العرقية فالكنعانيون أقرب إلى العرب والآشوريين). لذا فلابد لنا أن نتذكر أن الباحثين المحدثين حين يستخدمون مصطلحا ساميا (فإنهم لا يتحدثون باعتبارهم مفسرين للتوراة, بل يقصدون بها أن يجمعوا بين كل الشعوب (العبرانيين والسريان والعرب والآشوريين والفينيقيين). ومن هنا يتبين لنا أن الدليل التاريخي المباشر الذي لا يقبل الشك بالنسبة لأصول الشعوب (يعد أمراً مستحيلاً) كما يقول روبرتسن سميث. أما اللغوي الألماني (شلوتزر) فقد استخدم تعبير الجنس السامي من أجل الدلالة على مجموعة الشعوب التي عاشت في الطرف الغربي من القارة الآسيوية (العرب والبابليين والآشوريين والآراميين والسريان والعبرانيين). كما يعلن العالم الفرنسي هنري فليش (إنه ينبغي ألا يفهم من استعمال كلمة السامية أي شيء أكثر من مجرد اصطلاح لتيسير الأمر على الباحثين دون القصد إلى أية دلالة عنصرية) ويذهب عالم الأنثروبولوجية السويسري يوجين بيتار إلى ما هو أكثر حسماً من ذلك, إذ يقول: (إن اليهود جميعاً بعيدون عن الانتماء إلى عنصر يهودي .. فنحن لا نستطيع أن نعتبر اليهود الآن أعضاء في مجموعة بشرية متحدة العنصر, ولا حتى يهود فلسطين التي جلبت إليها الحركات الصهيونية إسرائيليين بدون أي انتقاء. فاليهود ينتمون إلى طائفة دينية انضمت إليها في جميع العصور أخلاط من أجناس مختلفة). لذلك كان طبيعياً أن يظهر الفلاشا كجزء من الأحباش, واليهود الألمان الذين تتوافر فيهم نفس المميزات العضوية لسائر أبناء الجنس الجرماني, ويهود التاميل من الهند حيث تميل البشرة إلى السمرة الداكنة, وهناك يهود (الخزر) الذين يفترض أنهم من الجنس التركي. ما يهمنا أن نؤكد عليه أن عنصر الجنس عنصر متشعب المستويات مختلط المعالم, مستحيل النقاء. مابالنا والحديث يتناول (الجنس اليهودي). والذي يتأكد اختلاطه بنص التوراة نفسها. وبعد أن استقر العبرانوين في أرض كنعان وامتلاكهم شطراً منها, تغيرت طبيعتهم واختلط عنصرهم ففقدوا جنسيتهم الأولى باندماجهم في عناصر شتى وانضمام غيرهم من الأجناس إليهم ممن اعتنقوا الدين اليهودي خصوصاً في زمن النبي داود والنبي سليمان الحكيم كالحيثيين ــ شعب غير سامي ــ كما تزاوجت عشيرة إبراهيم مع شعوب كنعان, كما تزوج يوسف النبي من (أستات) المصرية (ابنة كاهن اون) وتزوج الملك داود من ابنة ملك جشور الكنعاني, وتزوج الملك برمبام اليهودي من ابنة شيشناق الأول فرعون مصر. الأمثلة كثيرة ومتعددة, وكلها تؤكد على أن سامية الجنس, فكرة أسطورية ليس لها واقع في التاريخ. تبقى إذن سامية اللغة, ومن المعروف أن هناك عائلة كبيرة يطلق عليها اللغات السامية, وعلى رأسها اللغة العربية والأكادية والآشورية والبابلية والآرامية والكنعانية والسريانية والفينيقية والأمهرية والعبرية والحبشية, وهناك لغات أخرى بعضها مات وبعضها ما زال حياً ومواصلاً دوره في تفاهم البشر وتحديد سمات الأمم. تلك هي قصة السامية بدعاواها الثلاث, دين وجنس ولغة. أما إذا جارينا تلك الدعاوى الزائفة, فلا ننسى أن العرب ساميون وكذلك لغتهم. لكن الغريب أن اليهودية والصهيونية قد وظفتا تلك السامية والجنس السامي واللغة بل والدين لصالحهما, حتى وصل لمفهوم الكثيرين التطابق بين معاداة السامية ومعاداة اليهود. وقد ساعد على ذلك فعل اليهود والصهاينة الأيديولوجي والعقيدي والدور الوظيفي لليهود وكذلك رد فعل الغرب تجاه تلك الأفعال وبالذات عندما سادت لديهم أفكار مثل دم المسيح المعلق على رقاب اليهود, وعندما بزغ عصر الدولة ــ القومية المستندة على السمات المميزة لشخصية الوطن ــ الدولة. بعد ذلك لابد من استيضاح تأثير معاداة السامية على اليهود والصهاينة في أجيالهم الحديثة ــ أجيال الدولة ــ بعد أن تكشف لنا أن معاداة السامية في التاريخ اليهودي القديم كانت حافزاً ومحركاً للانتقال إلى حالة صهيونية بعد مرحلة اليهودية العنصرية, وبالتالي فإبطال الجالوت (النفي) لن يتم إلا بالهجرة للوطن فلسطين (إسرائيل) أما الآن فمعاداة السامية تعني تنشئة الأجيال الجديدة وبداخلها الثأر الدائم من الأغيار المعادين للسامية اليهودية!! وبالذات عندما يستند ذلك ما جاء من مفاهيم في التوراة والتلمود حول الأغيار, بالإضافة إلى بعض الوقائع العينية لمعاداة السامية في الغرب وعلى رأسها الهولوكوست, كما أن معاداة السامية تعني الآن لدى دولة اليهود الحصرية امتلاك أداة ابتزاز لحكومات الغرب الذين تورطوا في معاداة السامية وألمانيا وقصة الدعم الهائل (لدولة إسرائيل) مثل على ذلك. بالإضافة إلى امتلاك أداة تشهير هامة توظف في الحملات ضد أي شخص أو حكم أو حزب أو جماعة تفكر ولو للحظة واحدة في رفض هذا الابتزاز, ولعل ما حدث لجارودي خير دليل على ذلك. و أخيراً يستنتج من ذلك أن ذلك المفهوم المحمل بالأيديولوجيا يؤثر كثيراً على عملية صنع القرار الإسرائيلي, حيث أن الأيديولوجيا اليهودية بما تحمله من عنصرية وشمولية بل ومعاداة للإنسانية تقضي بأن اليهودي أعلى شأناً من أي إنسان آخر وأن دولة إسرائيل لا يمكن أن تتنازل عن أي جزء من أرضها لأنها أرض يهودية مقدسة, وهكذا كلما أصبحت إسرائيل أكثر يهودية تزايد تأثير سياساتها بالاعتبارات الأيديولوجية اليهودية, وتكدست معاهدها الدينية ومدارسها الابتدائية بفتاوى الحاخامات ونصوص التوراة والتلمود والشروحات العديدة لهما. وهكذا تحولت عقدة الشعور بالاضطهاد إلى عقيدة اللاسامية عند هرتزل ونوردا حيث اعتبرا هوية اليهودي متوقفة على وجود العداء للسامية, وأصبحت تلك العقيدة جزءاً من نسيج الثقافة السياسية السائدة في التجمع الإسرائيلي الاستيطاني العنصري.