المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكـومـة مشـرّف والحــركات الاسـلامـيـة بـعـد طـالـبـان:مأزق مصنـع الجهاد فـي بـاكستان


صبياني
18-01-2002, 07:01 AM
نقلا عن النهار اللبنانية ....

باكستان في وضع لا تحسد عليه. فما ان سارت في طريق استيعاب الحرب على افغانستان وآثارها عليها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، حتى جاءتها الضغوط الدولية رافعة الموقف الهندي تطالبها بضرب مجموعات باكستانية مصنفة ارهابية تعمل في كشمير وخارجها. ومشكلة باكستان اصلا اكبر من ذلك. مشكلة داخلية تتجسد ابرز مظاهرها في وضع الحركات الاسلامية فيها وتأثيرها على مجرى الاحداث، خصوصا ان هذه الحركات تحولت مع السنين وبفضل سياسات الحكومات المتعاقبة والتشجيع الاميركي حركات جهادية واكتسبت نفوذا كبيرا ضاعفه قيام نظام طالبان الى حد ان اي محاولة اليوم لضبطها او اسكاتها تبدو كاللعب بالنار. والنتيجة مأزق فعلي: نظام عسكري يرأسه جنرال علماني يدفع في اتجاه واسلاميون في ذروة التعبئة يدفعون في اتجاه آخر، وقدرتهم ليست قليلة، لا لان الاكثرية تؤيد افكارهم بل لان المعاداة للسياسة الاميركية عارمة.

صحيح ان الحركات الاسلامية في باكستان لا تمثل خطا واحدا. واقواها ينهل بعقيدته من نبعين: النبع السني الحنفي التقليدي المتزمت الذي تعبر عنه المدرسة الديوباندية في الهند وتحمل لواءه في باكستان جمعية علماء الاسلام (جمعيتي علماء اسلامي)، والنبع السني الاصولي حامل فكر الاخوان المسلمين وتمثله الجماعة الاسلامية (جماعتي اسلامي). وصحيح ايضا ان هاتين الحركتين لم تزدهرا يوما بمعزل عن السياسات الحكومية الباكستانية بل طالما كانتا اداة لها، لكن نتائج الازدهار لم تبق تحت السيطرة، كما ان اي قرار بالغاء هذه النتائج صار اصعب حتى من اعتراف اسلام اباد بفشل سياستها الافغانية وتقبل حقيقة ان ما فعلته منذ سبعينات القرن الماضي لن يأتيها بحكومة موالية لها في كابول ولن يجعلها زعيمة العالم الاسلامي. ذلك ان الممارسة اكثر تعقيدا من التعريفات النظرية، وما حصل خصوصا منذ الثمانينات يكفي لابراز حجم المأزق.



الزمان: 9-11 نيسان .2001

المكان: بلدة تارو جابا قرب بيشاور في باكستان. مئات الالوف من المسلمين لبوا دعوة جمعية علماء الاسلام بزعامة مولانا فضل الرحمن للمشاركة في المؤتمر الدولي للديوبانديين. جاؤوا من مختلف انحاء باكستان ومن الهند وافغانستان وعدد كبير من الدول الاسلامية والعربية، واستمعوا الى خطب حماسية بينها كلمة مسجلة لزعيم طالبان الملا محمد عمر واخرى لاسامة بن لادن.

واكتسب المؤتمر اهميته من تناقضات كثيرة تجسدت فيه:

اسلاميا، جمعية علماء الاسلام (الديوباندية) التقت والجماعة الاسلامية (الاخوان) جنبا الى جنب علما ان لهما تاريخا طويلا من الخلاف بدأ قبل قيام باكستان ولا يزال مستمرا. اذ لبى زعيم الجماعة قاضي حسين احمد الدعوة. وكان المسلمون السنة المتزمتون جنبا الى جنب مع شيعة من ايران على رغم الدماء التي اريقت في خلافات السنة والشيعة في باكستان وافغانستان.

سياسيا، حكومة الرئيس برويز مشرف التي كانت منعت كل التجمعات السياسية والدينية سمحت بعقد المؤتمر وحضره عدد كبير من المسؤولين الحاليين والسابقين وضباط الاستخبارات ورؤساء احزاب مختلفة.

ديوباندياً: اكتفى وفد مسلمي الهند من المدرسة المحتفى بها بتعداد انجازاتها الاكاديمية وتحفظ عن الدعوات الحماسية ودعا اتباع المدرسة الى الامتناع عن اية اعمال عدوانية تجعل القوى المعادية للاسلام في العالم تصفهم بالتطرف او الارهاب. لكن ديوبانديي باكستان كانوا في حالة اخرى ووجه فضل الرحمن تهديدا الى اميركا: إما ان ان تقبل يد المسلمين الممدودة اليها واما ان تتحمل العواقب.

واذا كان هذا يظهر التحول الذي لحق بالعقيدة الديوباندية في رحلتها من الهند الى باكستان، فان التناقضات الاولى تدل على ارتباك الوضع الباكستاني: ارتباك سياسة مشرف حيال الاسلاميين عموما وما يدعون اليه.

وارتباك في موقف الاسلاميين المتناقضين اصلا مع الديوباندية ومع طالبان. لكن شكل المؤتمر عكس قوة الاسلاميين في اي حال. فما هي هذه الحركات وكيف اكتسبت نفوذها؟

عودة الي الوراء، الى اربعينات القرن الماضي، عندما كانت الهند لا تزال تحت الاستعمار البريطاني والجدل يتزايد بين مسلميها حول فكرة التقسيم وقيام دولة منفصلة للمسلمين يقودها علمانيون درسوا في الغرب وتأثروا به وعملوا لهذه الغاية في اطار الرابطة الاسلامية.

تياران من علماء المسلمين قادا المعارضة لفكرة التقسيم ولكل أسبابه:

- المدرسة الديوباندية (دار العلوم في ديوباند) التي حملت اسم البلدة التي تأسست فيها عام 1866 قرب دلهي وهي الثانية بعد الازهر في مصر، تقليدية متزمتة تتبع المذهب الحنفي وتهدف الى حماية قيم الاسلام من مفاسد العالم الحديث. وقد عارضت فكرة التقسيم من منطلق ان التقسيم سيضعف وحدة المجتمع المسلم ويتعارض ومبدأ الحفاظ على اسلام نقي وحمل هذه المعارضة ايضا جمعية علماء الهند التابعة للمدرسة.

- الجماعة الاسلامية التي اسسها عام 1941 ابو الاعلى المودودي متأثرا بفكر جماعة الاخوان المسلمين التي اسسها حسن البنا في مصر عام 1928 بهدف انشاء الدولة الاسلامية. فكر يؤمن بالتغيير عبر ثورة اسلامية للتخلص من الاستعمار واقامة مجتمع اسلامي حقيقي. اصولي يرفض القومية والعرقية وكل الاشكال الطبقية من اجل اسلام دولي جديد يوحد الامة وجهاد في سبيل اقامة مجتمع مسلم يقوم على الايمان المشترك. وقد رفضت الجماعة الاسلامية ايضا فكرة التقسيم من هذا المنطلق كما رفضت اي مساومة مع النخبة العلمانية الجديدة.

لكن الحال تغير في آخر سني الاستعمار. فقد انشقت مجموعة من علماء ديوباند عن جمعية علماء الهند واسست عام 1945 جمعية علماء الاسلام لدعم الرابطة الاسلامية ومطلب اقامة دولة مسلمة منفصلة. وانتقل هؤلاء الى باكستان مع التقسيم واختار المعلم الاكبر في مدرسة ديوباند مولانا عبد الحق الانتقال ايضا ليؤسس في العام ذاته مدرسته الحقانية في المقاطعة الشمالية الغربية. ومع التقسيم ايضا انتقل المودودي الى باكستان وبدأ العمل فيها وان يكن تحول موقفه اثار شكوكا كثيرة في اهدافه.

وهكذا قامت باكستان بقيادة "القائد العظيم" محمد علي جناح وفيها حركتان اسلاميتان لم تضطلعا في المراحل الاولى باي دور بارز وان تكن الجماعة الاسلامية انشط من جمعية العلماء.

الجماعة الاسلامية والجهاد

بدأت الجماعة الاسلامية بقيادة المودودي تنشط سياسيا تدريجا في الخمسينات، ثم اضطلعت بدور كبير في الحملة ضد الرئيس ذو الفقار علي بوتو وفي دعم الجنرال ضياء الحق الذي اطاحه عام .1977 وشهدت الجماعة ايام عزها في ظل ضياء الحق وان يكن المودودي الذي ولد عام 1903 رحل عام 1978 قبل ان يرى ازدهار حركته بعد الاحتلال السوفياتي لافغانستان.

ذلك ان ضياء الحق وجد في الغزو السوفياتي عام 1979 مدخلا الى دور جديد لنفسه ولباكستان. كان اساسا قريبا من الجماعة الاسلامية التي قادها آنذاك قريبه ميان طفيل احمد ووجد في الاصولية وسيلة لكسب اميركا ماديا ومعنويا واخذ يروج فكرة الجهاد ضد السوفيات فالتقت المصالح.

اميركا تريد هزم الاتحاد السوفياتي. وضياء الحق يريد اميركا ويريد اقامة حكم موال له في افغانستان التي طالما رفضت الاعتراف بخط دورند الحدودي مع باكستان ويريد ايضا تحويل باكستان قائدا للعالم الاسلامي. والتقت مع هذا ايضا مصلحة السعودية التي تريد ان تظهر ان العالم الاسلامي كله يقاتل الشيوعية.

واقرت اميركا الجهاد وسيلة فضلى لمحاربة السوفيات وشجعت باكستان ومسلمي العالم عليه وخصصت لذلك في الثمانينات اموالا طائلة وحضورا استخباريا في اسلام اباد جعل مقرها هناك الثاني من حيث الاهمية بعد مقرها الرئيسي في لانغلي في فيرجينيا.

تحقق لضياء الحق ما اراد وصارت استخباراته منسق المساعدات للمجاهدين وكان اعتماده الاول على الجماعة الاسلامية ومثيلها الافغاني الحزب الاسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار الذي رعته اسلام اباد منذ السبعينات. وصارت الجماعة مركز الثقل للجهاد تستقبل عشرات الالوف من المسلمين العرب وغير العرب، تدربهم وتسلحهم وترسلهم الى افغانستان او تدخلهم مدارس تلقنهم تعاليمها. ولم تكن مصادفة ان الجهاديين الاصوليين الذين ذهبوا بعد افغانستان الى البوسنة والشيشان وعاد كثيرون منهم الى دول عربية ودول آسيا الوسطى، حملوا فكرة هذه الجماعة.

وفي اطار سياسة "أسلمة النظام" التي اعتمدها ضياء الحق، أطلق سياسة اقامة مدارس دينية على طول الخط الحدودي مع افغانستان من اجل الاستفادة من القبائل الباشتونية وارتباطاتها بأفغانستان واستيعاب الاولاد من اللاجئين الافغان.

صبياني
18-01-2002, 07:02 AM
جمعية العلماء والجهاد الخافت

طوال هذه الفترة كانت جمعية علماء الاسلام (الديوباندية) مهمشة. فهي منذ بداياتها في باكستان اهتمت بالشأن الديني الى ان حوّلها زعيمها في المقاطعة الشمالية الغربية الحدودية (مع افغانستان حيث الباشتون) مولانا غلام غوت عام 1962 حزبا سياسيا. لكن نشاطها السياسي ظل ثانويا لكثرة ما شهدت من انشقاقات وصلت بمجملها الى ستة. وفي وقت لاحق تولى قيادة الفصيل الباشتوني الاقوى فيها مولانا مفتي محمد وأعاد تنظيمها بطريقة شعبوية أدخلتها في السياسات المحلية واستمرت عدوا مرّا للجماعة الاسلامية.

وفي الثمانينات مع صعود دور الجماعة وانهماك ضياء الحق بتوسيع الجهاد، استفادت جمعية العلماء من الاهمال الرسمي لها ولمجاهديها وركزت على بناء مئات المدارس الدينية على طول الشريط الحدودي الباشتوني ومقاطعة بلوشستان ووفرت لكثيرين من اللاجئين الافغان والفقراء الباكستانيين تعليما ومأوى ومأكلا ونشرت بينهم تعاليمها المتزمتة ودربتهم على الجهاد كما تؤمن به من أجل اقامة مجتمع اسلامي نقي.

وكانت تعاليم جمعية علماء الاسلام وفية للفكر الديوباندي، لكنها تأثرت ولا شك بالواقع السياسي في باكستان: تأثرت بالعقيدة القبلية للباشتون، وتأثرت بالفكر الوهابي الذي ازداد انتشاره في المنطقة مع ازدياد ضخ الاموال السعودية للجهاد ولبناء المدارس الحدودية، كما تأثرت الى حد كبير بمناخ العسكرة الذي طبع جهاد الجماعة الاسلامية في تلك المرحلة.

تتغير الاوضاع والحظ ينقلب

ومطلع التسعينات كانت الاوضاع السياسية في باكستان تغيرت: انسحب السوفيات مهزومين من افغانستان عام 1989 وتراجع الاهتمام الاميركي بالمنطقة، ثم سقط نظام نجيب الله في كابول، ووجدت اسلام أباد نفسها في مأزق مع تولي الطاجيك حكومة المجاهدين في كابول وهي التي كانت وضعت ثقلها مع الباشتون وقطعت المساعدات عمليا عن القائد العسكري الطاجيكي أحمد شاه مسعود الذي رعته في السبعينات وتخلت عنه في الثمانينات لانتقاده سياساتها.

ومع ان الجماعة الاسلامية كانت شريكا لنواز شريف في ائتلافه الحكومي الاول 1990 - 1993 وحصلت على أكبر عدد من المقاعد في تاريخها في البرلمان وهو تسعة مقاعد، فان عصرها بدأ ينتهي، والحظ ينقلب مع جمعية علماء الاسلام.

وكان ذلك مع وصول بنازير بوتو الى السلطة وكانت على عداء مع الجماعة الاسلامية وترفض فكرها الذي سيطر على عقل الاستخبارات الباكستانية. وفي صراعها مع هذه الاستخبارات ومع تبدل النظرة الاميركية ايضا الى مسار الحرب في افغانستان، أقامت بنازير تحالفا بين حزبها، حزب الشعب الباكستاني، وجمعية علماء الاسلام بزعامة مولانا فضل الرحمن. وكان هذا الخيار يعني قرارا باكستانيا بالتحالف مع الاسلام التقليدي المتزمت في مواجهة الفكر الاصولي الذي تجسد في الثمانينات. وليس مصادفة ان طالبان ولدت عمليا من هذا التحالف. وفي أي حال فتح هذا التحالف الطريق امام جمعية العلماء الى دهاليز السلطة للمرة الاولى وأتاح لها اقامة اتصالات وثيقة مع الجيش والاستخبارات والحكومة وصار فضل الرحمن رئيسا للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان يزور واشنطن وأوروبا والخليج لدعم طالبان وتنظيم مجاهدين وجلب مساعدات مالية لها.

ولم يكن فضل الرحمن الا جزءا من قوة جمعية العلماء. فهو يقود فصيلا منها. اما الفصيل الثاني القوي، فيقوده مولانا سميع الحق، ابن عبد الحق مؤسس المدرسة الحقانية في باكستان عام .1947 زعيم ديني وسياسي تولى المدرسة بعد والده وانشق عن الجمعية الاسلامية ليقود فصيله منذ عام ،1986 ويتحول مذذاك بمدرسته تدريجاً الى موقع فعلي لتدريب قيادة طالبان. وتعتبر مدرسته الموجودة في اغورا كاتاك في المقاطعة الحدودية مع 12 مدرسة اخرى مرتبطة بها الاكثر شعبية في المقاطعة وطالما اغلقت لترسل طلابها الى الجهاد مع طالبان. ويتباهى سميع الحق بأنه صاحب فكرة تولي الطلاب الحكم في افغانستان وانه هو عراب حركة "طالبان".

وسرعان ما بدأت الاوضاع الميدانية تتغير: معسكرات التدريب في افغانستان وعلى الحدود الباكستانية تنتقل الى ايدي جمعية العلماء والمجموعات المسلحة التابعة لها مثل حركة المجاهدين وحركة الانصار وغيرها، وصارت الجمعية القناة الرئيسية لدعم طالبان بالمقاتلين والمساعدات من اجل ايصال هذه الحركة الى كابول. وهو ما حصل.

بن لادن يغير المعادلة

لكن الموقف الاميركي من اسامة بن لادن غيّر المعادلة مرة اخرى. فبعد تفجير السفارتين الاميركيتين في كينيا وتنزانيا واتهام اميركا بن لادن بالضلوع فيه وردها بقصف معسكرات في افغانستان تتولاها مجموعات باكستانية، عانت السياسة الافغانية لاسلام آباد ارتباكاً جديداً، حاول برويز مشرّف منذ استيلائه على الحكم في 1999 ان يعالجه بالتصدي الحذر للاسلاميين وهو لا يزال يحاول بحذر اكبر بعدما اتخذ قراره بالتحالف مع اميركا.

قد يجد مشرف بعض العوامل المساعدة له وأهمها ان نتائج الانتخابات النيابية في التسعينات اظهرت تراجعاً في عدد المقاعد التي حصل عليها الاسلاميون. ففي انتخابات 1990 حصلت الحركات الاسلامية المختلفة على 19 مقعداً وفي 1993 على تسعة مقاعد وفي 1997 لم تحصل الا على مقعدين فازت بهما جمعية علماء الاسلام - فضل الرحمن، فيما قاطعت الجماعة الاسلامية الانتخابات.

لكن هذا لا يقلل قدرة الحركات الاسلامية على تحريك الشارع الباكستاني، وخصوصاً بعدما جعلت الجهاد اولويتها لتحقق لنفسها موقعاً في السياسة الداخلية. فأسلوبها في العمل السياسي هو الاسلوب التحريضي والتركيز على اثارة المشاعر. ذلك ان الجماعة الاسلامية مثلاً انسحبت من ائتلافها مع نواز شريف مطلع التسعينات بدعوى رفض مشروع قانون لتطبيق الشريعة ونزلت الى الشوارع.

كذلك فعلت في ظل حكومة بنازير بوتو ونظمت تظاهرات احتجاجاً على ما سمته فساداً في الحكم. ونجحت اواخر 1996 في شل العاصمة، فاضطر الرئيس آنذاك فاروق احمد ليغاري الى حل البرلمان وتأليف حكومة انتقالية. وقاطعت الجماعة الانتخابات في ،1997 لكنها واصلت سياستها التحريضية ضد حكومة نواز شريف الذي عاد الى السلطة. ومع تولي مشرف الحكم في تشرين الاول 1999 طالبه زعيمها قاضي حسين احمد بانتخابات جديدة وباعادة الديموقراطية. وليست مقاربة جمعية علماء الاسلام بعيدة عن هذا التوجه. فهي ايضاً تلجأ الى الشارع والتعبئة الشعبية. فعندما تكون في السلطة تهدأ وعندما تنتقل الى المعارضة يعود الخطاب الاسلامي المشحون الى لغتها وتعود العناوين الكبرى مثل افغانستان وكشمير والجهاد.

اضف ان القوى الاسلامية - السياسية في باكستان ليست كتلة موحدة ولها تناقضاتها الفكرية وتناقضاتها حيال اي اسلام تريد لباكستان. واكثر من ذلك فان بينها حركات متعصبة جدا قادرة على اثارة النعرات الطائفية. وقد تكرر هذا في اوقات مختلفة. فحزب "سيباهي صحابة" (جند الصحابة) الذي تأسس عام 1989 ضغط على السلطة لاعلان الشيعة غير مسلمين وحصلت حوادث كادت تتسبب بحرب بين الطائفتين. وازدادت التعبئة الطائفية في التسعينات وفي 1997 وحدها قتل اكثر من 300 شخص في اعمال عنف طائفية وشهد مطلع 1998 مقتل 24 شيعيا في مجزرة مومينبورا لدى تأديتهم الصلاة. ومطلع 1999 حاولت مجموعة سنية اغتيال نواز شريف.

ولعل ما يزيد الوضع خطورة ان السياسات الحكومية الباكستانية ساهمت مدى التسعينات في "تفريخ" غير اعتيادي لمجموعات دينية مسلحة استقوت كلها بالجهاد ولم تعد تتوانى في خوض مواجهات مسلحة مع القوى الحكومية اذا ما شعرت بان مصالحها مهددة.

ومع ان نشوء طالبان كان نتيجة فرعية للسياسة الباكستانية في افغانستان، فان النموذج الذي طبقته هذه الحركة انعكس سلبا على باكستان ووضع هذه الدولة الهشة التي تعاني ازمة اقتصادية وانقسامات طائفية امام موجة اسلامية جديدة يقودها جيل جديد يؤمن بالطالبانية ويطالب بتطبيق الشريعة. وقد ظهرت حركات عدة اواخر التسعينات فرضت في مناطقها ادارات خاصة واقامت محاكم شرعية. وواجهت حكومة مشرف في كانون الاول 2000 حركة كهذه من "تنظيم الاخوان" الذي هددها بمهاجمة العاصمة ما لم تطبق الشريعة.

وبعد مفاوضات طويلة اضطر في نهايتها وزير الشؤون الدينية الدكتور محمد غازي الى زيارة زعيم التنظيم مولانا محمد اكرم، وافق الاخير على تأجيل مشروعه. والانباء كثيرة عن نفوذ قوي لهذا التنظيم بين الضباط ذوي الرتب المتوسطة في الجيش.

ونشوء مثل هذه الحركات لا يكون مستبعدا في مناطق مختلفة من باكستان حيث ينتشر الفقر والامية والبطالة وحيث المدارس الدينية هي المعلم الاكبر للاولاد.

تطور الاحداث في باكستان ينذر بمواجهة اكبر بين النظام والاسلاميين. فمع ان انهيار نظام طالبان يشكل ضربة لهم ولم يتأخر مشرف في وضع زعمائهم قيد الاعتقال المنزلي، فهؤلاء في اوج انتشارهم ومشرف لا يروقهم. عسكري علماني اول ما اطل على الباكستانيين رئيسا كان من حديقة منزله والى جانبه زوجته السافرة يداعبان كلبا. ثم انه حزم امره على مواجهتهم عندما اتخذ خياره الاميركي. واذ يبدو انه سيستمر حتى اشعار آخر حصان اميركا في باكستان، فان الخيارات الداخلية ستكون صعبة وازمة الهوية التي لم تحسم يوما في باكستان ستتجدد بقوة اكبر وقد لا يكون ثمة مفر من حسمها.

صبياني
18-01-2002, 07:06 AM
الـمـدرسـة الــديــوبـانــديـة



يعود التاريخ السياسي للحركة الديوباندية الى تمرد 1857 في الهند عندما تضامن المسلمون والهندوس في وجه الاستعمار البريطاني في ما صار بمثابة بداية حرب الاستقلال وقمع البريطانيين هذا التمرد الامر الذي شكل ضربة قاضية للمسلمين اذ تحولوا جميعا مشتبها فيهم في نظر المستعمر. وبدأت في ظل هذا الوضع حركات في اوساط علماء الاسلام تهدف الى محاولة اعادة ثقة المسلمين بأنفسهم والحفاظ على قيمهم. وآثر قادتها تنظيم مدارس على النمط الذي تعلموه من الاستعمار وأخذت تظهر حركات كثيرة بينها حركة قادها اثنان: مولانا محمد قاسم النانوتي (1833 - 1877) ومولانا رشيد احمد الجنجوحي (1829 - 1905) وقد أسسا مدرسة في بلدة ديابوند في ولاية اوتار براديش بدأت تعمل في مسجد صغير ثم وضع حجر الاساس لها في 30 ايار 1866 وحملت اسم دار العلوم ديابوند. وثمة روايات عن ان النانوتي قرر بناء المدرسة بعدما شاهد رؤيا في منامه. وهذه المدرسة التي سرعان ما تحولت حركة، تأثرت كثيرا بفكر شاه ولي الله من دلهي (1703 - 1762) الذي بحث في اعادة الحكم المسلم للهند وفي سبل احياء عظمة الاسلام، وتأثرت الى حد ما بفكر عبد الوهاب (1703 - 1783). مدرسة سنية تقليدية تتبع المذهب الحنفي وغالبا ما تعرف بأنها المؤسسة الأم للاسلام النقي وقد أصدرت حتى الان 250 الف فتوى في شأن جوانب سلوكية شخصية مختلفة. ودار العلوم ديابوند هي أكبر مدرسة دينية اسلامية في آسيا والثانية بعد جامعة الازهر. برنامجها يمتد ثماني سنوات ويدرس الطلاب بالعربية والفارسية والاوردو. ومنهجها التعليمي لم يتغير منذ قيامها. لا شيء تغير منذ 135 سنة الا ربما انشقاق تسببت به مشاكل ادارية عام 1982 أدى الى ايجاد دار علوم الوقف كلية مستقلة بحرمها وطلابها. ولكن في مساحة الكيلومترات الثلاثة المربعة للمدرسة يعيش الطلاب البالغ عددهم ثلاثة آلاف يرتدون الزي نفسه ويحملون كتبهم وينتقلون بين الصفوف ثماني سنوات يتعلمون الاسلام التقليدي. لا مواضيع جديدة ولا مواضيع "عصرية" ولا أقساط، بل ان كل موازنة المدرسة تأتي من تبرعات ومساعدات. وتوفر الادارة للطلاب منامة وثيابا وطعاما ومصروفا شهريا بسيطا. وبعد ان يتخرجوا بشهادات في الدراسات الاسلامية والعربية ينطلقون لنشر معرفتهم. وخرجت المدرسة حتى الآن اكثر من 65 الف عالم اسلامي يديرون عشرات الألوف من المدارس في الهند وباكستان وافغانستان او يعلمون في مدارس او مساجد كثيرة في الولايات المتحدة وبريطانيا وجنوب افريقيا ودول الخليج. ومع انتشار التطرف في باكستان وافغانستان صارت المدرسة الديوباندية متهمة بتصدير التشدد والتطرف. وصار هذا موضوع جدل. فداخل الهند واصل علماء الديوباندية سلوك نمط ما قبل الاستقلال: لم يتحولوا حزبا سياسيا وبرروا التعاون السياسي مع غير المسلمين على أساس انه افضل طريقة لحماية مصالح المسلمين. لكن الديوبانديين خارج الهند تسيسوا وتعسكروا، والمثال قوي في باكستان ثم في افغانستان حيث أساس عقيدة طالبان في الديوباندية وان تكن ذهبت بعيدا عنها في مجالات عدة متأثرة كما في باكستان بالعوامل السياسية والثقافية المحلية. واذ يعترف رئيس المدرسة مولانا مرغوب الرحمن بأن الديوباندية هي "النبع العقائدي لطالبان" فانه يؤكد ان لا علاقات مع طالبان "الا علاقات اسلامية". وثمة انقسام بين بعض علماء المدرسة، من يعتبر طالبان تجسيدا شجاعا لتعاليمها ومن يرى ان أشخاصا مثل الملا عمر وبن لادن لوثوا العقيدة الديوباندية. ويتفق بعض العلماء على ان دار العلوم ديوباند تقف على مفترق طرق يتحدى نهجها المحافظ ويرون ان بقاءها يعتمد على مجاراتها العصر. فهي تقف اليوم بين عالمين: الاسلام التقليدي والعالم الحديث. فيها كومبيوترات ولكن لا أنترنت (مع ان لها موقعا على هذه الشبكة عنوانه: www.danululoom.deband.com، فيها أجهزة راديو وصحف ولكن لا تلفزيونات، وفيها ميكروفونات في الصفوف ولكن عداء لكلمة "عصري".