المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غياب الحليف او المأزق المركزي للسياسة الخارجية العربية


صبياني
08-01-2002, 07:05 AM
لقد تاه منى الجزء الأول ولم أجده من هذا التحقيق ... ولكن لربما كان الجزء الثاني مليء بالمعلومات المفيدة المهمة ... نقلا عن النهار اللبنانية

هل لدينا عنوان نذهب اليه سوى واشنطن؟

الحلقة الثانية الأخيرة من دراسة الدكتور محمود حداد حول مأزق السياسات الخارجية العربية في القرن العشرين:

نصف حلف عربي مع السوفيات مقابل نصف حلف سوفياتي مع العرب

بعد الحرب العالمية الثانية دخلت المنطقة في فترة تاريخية مختلفة واصبح الصراع عليها بين الاستعمار القديم الممثل اساسا ببريطانيا والاستعمار الجديد الممثل بالولايات المتحدة. وقد افادت منطقة المشرق وخصوصا سوريا ولبنان من التنافس بين قديمين اي الاستعمارين البريطاني والفرنسي الامر الذي ساهم في حصول هذين البلدين على استقلالهما. كما افادت مصر من التنافس بين قديم وجديد اي الاستعمار البريطاني والنفود الاميركي الذي برز بعد الحرب العالمية الثانية، فكان ذلك من جملة العوامل التي ساهمت في انهاء الملكية وجعل حركة 23 تموز 1952 ممكنة التحقيق.

لكن النفوذ الاميركي الجديد في ثلاث دول عربية تحديدا وهي سوريا وفلسطين ومصر سرعان ما كشفت عن جدول اعمال مشابه لجدول اعمال الاستعمار البريطاني وإن بوسائل اكثر فطنة وحداثة.

كان الاتحاد السوفياتي هو القوة الدولية الثانية بعد الولايات المتحدة والتي برزت بعد الحرب العالمية الثانية، في فلسطين حلت واشنطن محل لندن في دعمها للمشروع الاستيطاني الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين ولم يكن الاتحاد السوفياتي اقل حماسة لقيام اسرائيل، فكان ثاني دولة تعترف بالكيان الصهيوني عام .1948 وهكذا، اقفل الجباران العالميان الجديدان الطريق على الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى اية محاولة اقليمية عربية لمساعدة عرب فلسطين مساعد جدية رغم دخول الدول العربية الخجول حرب فلسطين ذلك العام (23).

اما خارج فلسطين فاعتبرت الولايات المتحدة وحليفتها البريطانية المسؤولة عن عدم تحقيق الاماني العربية.

غض النظر عن وقف موسكو حيال فلسطين واعتبرت القاهرة التي اخذت تمثل مركز الثقل القومي العربي انه لا بد من الاقتراب من الاتحاد السوفياتي لموازنة النفوذ الاميركي وما تبقى من نفوذ بريطاني.

لكن القاهرة كانت تعرف ان موسكو لا تملك ما تملكه الولايات المتحدة في الشرق الاوسط رغم وقوفها مع مصر خلال العدوان الثلاثي عليها عام ،1956 وهي كانت افادت سياسياً من الرفض السوفياتي والاميركي معاً لعودة الاستعمارين القديمين الفرنسي والبريطاني تحت غطاء اسرائيلي الى المنطقة.

وكانت القاهرة قبل ذلك بعام، وعندما تبين لها ان واشنطن تضع شروطا على توريد السلاح قد اتخذت خطوة غير مسبوقة اذ ان الرئيس عبد الناصر بادر الى كسر احتكار السلاح في المنطقة وعقد اول صفقة تسلح مع الاتحاد السوفياتي عام .1955

ومع ذلك، فان العلاقة العربية - السوفياتية ظلت اسيرة نظرتي شك متبادلتين ان في القاهرة وإن في موسكو.

كانت الاخيرة تلاحظ ان القاهرة لا تسير معها الى آخر الشوط وكأنها تريد ان تستثمر علاقتها بها لكي تزيد حجمها وقوة موقفها التفاوضي مع واشنطن اكثر من اي شيء آخر. وكانت القاهرة بدورها تلاحظ ان موسكو غير راغبة في اعطائها دعماً يوازي الدعم الغربي لاسرائيل لأسباب قد يكون بينها ان موسكو لم تكن تعتبر ان لها حقاً كاملاً في الدخول الى المنطقة العربية التي كانت حكرا قبل الحرب العالمية الثانية، على دول غرب اوروبا.

صحيح ان الولايات المتحدة اقصت عددا من هذه الدول عن مواقعها القديمة بهدف الحلول مكانها او مشاركتها النفوذ، الا ان ذلك ظل ضمن المنافسة داخل "العائلة الاطلسية الواحدة"، وتاليا فان موسكو بوضعها خارج هذه العائلة بدت مترددة، في اوقات كثيرة، في الدخول الى الميدان العربي في شكل مباشر. ولهذا فان صفقة السلاح التي عقدت بين القاهرة وموسكو عام 1955 اتخذت رسميا اسم صفقة السلاح التشيكية.

أليس من اللافت تفسير عبد اللطيف البغدادي، احد اعضاء مجلس قيادة الثورة، احد اسباب اعتراف مصر بالصين الشعبية في 16 ايار ،1956 اي بعد حوالي سنة كاملة من عقد تلك الصفقة، بأنه محاولة فتح قناة جديدة مباشرة بين القاهرة وموسكو من طريق بيجينغ ربما لأنها لم تكن عضوا في حلف وارسو:

"...ان خروتشوف وبولغافين كانا قاما بزيارة لبريطانيا في شهر نيسان 1956 وصرح خروتشوف في مؤتمر صحافي هناك ان روسيا على استعداد للمشاركة في قرار هيئة الامم المتحدة الخاص بحظر تصدير الاسلحة الى منطقة الشرق الاوسط لو اصبحت روسيا عضوا رابعا مع دول التصريح الثلاثي المرتبطة بهذا الحظر وهي الولايات المتحدة وانكلترا وفرنسا - وخشيت مصر ان يوضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ في المستقبل وان يغلق في وجهها الباب الوحيد الذي فتح امامنا والذي نستورد منه احتياجاتنا من السلاح. وقد رأت مصر ان الاعتراف بالصين الشيوعية يضمن لها استمرار توريد الاسلحة من روسيا من طريق الصين كطرف ثالث (24).

ويمكننا تأكيد شك موسكو بالقاهرة خصوصا بعد قيام الوحد المصرية - السورية عام 1958 واصطدام الاتجاه القومي العربي بالاتجاه الشيوعي في مصر وسوريا والعرق طوال فترة الوحدة. واذا جاز لنا الموافقة على ما كتبه الدكتور وليد الخالدي من ان اول اخطاء عبد الناصر الاستراتيجية كان "احجامه عن ممارسة صلاحياته الدستورية في الحفاظ على الوحدة" (25)، جاز لنا ايضا التوقف عند شهادة عبد الهادي البكار الذي شغل موقعا متقدما في الجهاز الناصري:

"سمعت من علي صبري في العام 1986 ان عبد الناصر كان جادا في مقاومة الانفصال عسكريا... وانه ما ارسل قوات عسكرية محمولة برا وجوا من مصر الى اللاذقية الا على هذا الاساس... ولكن ايقظه (كذا) السفير السوفياتي لينقل اليه رسالة عاجلة من قادة الكرملين: دع سوريا وشأنها (26).

اذا صحت هذه الواقعة فانه لا يمكن تفسيرها بسهولة فهي تحتمل تفسيرات عدة. منها ان موسكو كانت تسعى لأن تصبح سوريا تابعة لها بصورة مباشرة، وليس عبر القاهرة، ومنها ان الكرملين كان يرى في الحركة القومية العربية المنافس الأكبر للحركة الشيوعية العربية التي كانت ملتصقة بسياسات موسكو اكبر التصاق، ومنها ايضا ان العاصمة السوفياتية لم تكن ترغب في بروز قطب عربي - اسلامي في منطقة الشرق الاوسط قد يجذب اليه ، في ما بعد، اتجاهات معينة داخل جمهوريات الاتحاد السوفياتي الواقعة في آسيا الوسطى! وبما يكون الامر مزيجاً من الامور الثلاثة مجتمعة.

الا ان المفارقة تكمن في ان عملية "فك الوحدة" كانت من صنع غربي وكان من ابرز رموزها والعاملين في سبيلها مأمون الكزبري المعروف بعلاقاته الوثيقة مع هذه الجهات منذ الخمسينات على الاقل. وتاليا فرغم تنفيذ "الانفصال" بأدوات غربية وربما عربية ايضا، فانه كان هنالك اكثر من مستفيد من الجريمة ان في الشرق او في الغرب!

وفي كل الاحوال، ظلت القاهرة ترى الخطر عليها آتياً من جهة الغرب. لكن سياسة موسكو خاصة بعد عام من الانفصال وبعد ازمة الصواريخ الكوبية مع الولايات المتحدة، اخذت تعجل الخطى نحو تجنب اية سياسة قد تؤدي الى احتمال مواجهة مع واشنطن. ومن المفيد هنا الاطلاع على رأي جريدة "التايمس" البريطانية في ما يتعلق بموضوعنا قيد البحث:

"منذ ازمة الصواريخ الكوبية قبل اكثر من عشرين سنة، اظهرت موسكو ترددا واضحاً في الخوض مباشرة في عمليات عسكرية قد تؤدي الى صراع مع الولايات المتحدة. وقد تعطي التصريحات الطنانة المعادية لأميركا... الانطباع بأن موسكو تنتظر الوقت الملائم قبل مهاجمة المصالح الاميركية. اما الواقع، فان التهديدات لم تكن مقدمة للتنفيذ: ليس في غراندا، ليس في اميركا الوسطى، وبالاخص ليس في الشرق الاوسط (27)".

ثم تقع حرب حزيران 1967 ويهزم فيها العرب، وبالاخص حركتهم القومية، وتتأثر بذلك موازين القوى الاقليمية والدولية وتسجل واشنطن مكسباً لمصلحتها لا شك فيه، وينقل محمد حسنين هيكل نفسه ما وصفه "بنبوءة" الرئيس اليوغوسلافي الاسبق الماريشال تيتو الذي ابلغ الرئيس جمال عبد الناصر ما قاله في اجتماع عسكري عقده مع القادة السوفيات في 10 حزيران :1967

"...ان ما حدث في الشرق الاوسط (في 5 حزيران) يمكن ان تكون له آثار على الموازين العالمية كلها. فبمجرد ان تعطي الولايات المتحدة نفسها حق ان تتقدم لضرب احدى الدول الطليعية في حركة التحرر الوطني ثم لا يكون امام الاتحاد السوفياتي سوى ان يدين العدوان - تكون هذه بداية لها ما بعدها. اليوم تضرب حركة التحرر الوطني في الشرق الاوسط وغداً دول اوروبا الشرقية وبعد غد يصل الخطر الى الاتحاد السوفياتي الذي سوف يجد نفسه محاصرا ومعزولاً (28).

ومع ذلك، وبعد اقل من اسبوعين على كلام تيتو مع قادة الكرملين، فان ذهنية التخوف او الخوف من اصطدام سوفياتي مع الولايات المتحدة او احد حلفائها ظل الاولوية في موسكو. وهكذا، عندما جاء الرئيس السوفياتي الاسبق بودغورني الى القاهرة في نهاية حزيران 1967 لعقد محادثات مع الرئيس عبد الناصر والاتفاق على تزويد مصر بما تحتاجه لاعادة بناء قواتها المسلحة، لم يجد اية غرابة في سؤال الرئيس المصري الذي كان يطلب طائرات ردع مقاتلة بعيدة المدى - وسيناء محتلة والجيش الاسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس - "هل تطلبون المزيد من الطائرات بهدف القضاء نهائيا على اسرائيل؟!" (29).



لماذا "بلعت" موسكو الاهانة... ورحبت سرا بطرد خبرائها من القاهرة في 1972؟!

في حديثه عن "الوقفة مع الصديق السوفياتي" التي اطلقها الرئيس انور السادات عام 1972 وطرده الخبراء السوفياتي صيف ذلك العام يروي لنا محمد حسنين هيكل رواية مدهشة عن تفاصيل تلك الوقفة بفصولها الهزلية والدرامية. لكن الكاتب نفسه يذكر لنا ان وفدا من كبار مساعدي السادات - كان بينهم، رئيس الوزراء الدكتور عزيز صدقي، ووزير الدفاع الفريق محمد احمد صادق ووزير الخارجية الدكتور مراد غالب ومدير الاستخبارات العامة اللواء احمد اسماعيل علي - ذهب الى موسكو "لجهد خارق تحول به مجرى الحوادث فعلا... وعاد ومعه برنامج تفصيلي ومحدد بطلبات سلاح سبق التعاقد عليها وتأخر توريدها وهي الآن جاهزة للشحن، ومعها موافقة على طلبات جديدة قدمها الوفد المصري الى موسكو، وقد جرى تحديد مواعيد نهائية متلاحقة لتسليمها في الاسكندرية". ويخلص الكاتب الى ان مناورة السادات قد نجحت في "المقامرة على المكشوف" والحصول على السلاح الذي حقق ما تحقق في اكتوبر 1973 (30).

ولكن الا يحق لنا ان نسأل كيف غيرت موسكو موقفها من امداد القاهرة بالسلاح الموعود منذ سنين بعد اهانة سياسية اخذت من رصيدها الاقليمي، بل والدولي شيئاً غير قليل؟ هل كان السبب هو في ذلك الوفد المصري الرفيع المستوى الذي ذهب الى موسكو لوضع حدود لقطيعة كاملة بين الاتحاد السوفياتي ومصر ام ترى يمكننا تقديم تفسير آخر؟ اليس غريباً ان الكرملين وافق على اعطاء عزيز صدقي ما رفض اعطاءه للسادات؟

هنا، ايضا، نميل الى القول ان موسكو لم تكن مرتاحة لوجود خبرائها في مصر لأن ذلك جعل من المواجهة بين مصر واسرائيل مركز استقطاب اميركي - سوفياتي وكان يمكن ان يعيد تجربة ازمة الصواريخ الكوبية لعام 1962 مرة اخرى. وهكذا، كان الزعماء السوفيات في الواقع غاضبين للطريقة وللشكل اللذين اخرج بها السادات خبراءهم من مصر ولكنهم كانوا في قرارة انفسهم مرتاحين استراتيجياً لأنهم انهوا "التورط" الذي دفعهم اليه الرئيس عبد الناصر بجعلهم يرسلون هؤلاء الخبراء من الاساس. ولا ننس هنا ان مجموعة "15 مايو" المعادية للسادات والتي نشر هيكل نفسه محاضر جلسات سرية لها كانت تتحدث عن انتهاج سياسة توريط لموسكو في حرب مع اسرائيل يرجى منها استرجاع سيناء او الاراضي العربية المحتلة بعد 1967 بعد وفاة الرئيس عبد الناصر وانتهاء فترة وقف اطلاق حسب مبادرة وزير الخارجية الاميركي، روجرز، وقتها.

صبياني
08-01-2002, 07:08 AM
ان هذا التحليل يفسر "بلع" موسكو اهانة السادات وموافقتها ايضا على توريد اسلحة كان متفقا عليها منذ سنين الى مصر. وعلينا الا ننسى انه عشية حرب تشرين الاول ،1973 ولدى معرفة القيادة السوفياتية بوقت قصير بالمبادرة العسكرية المصرية - السورية فان اول شيء فعلته هي انها ارسلت طائرات الى دمشق والقاهرة لاخلاء ما تبقى من هؤلاء الخبراء قبل اندلاع الحرب بساعات. ومع ذلك، فانه من غير الموضوعي القول بأنه لم يكن بين العرب والاتحاد السوفياتي علاقة تحالف، الا انه من غير الموضوعي ايضا القول ان هذه العلاقة كانت توازي علاقة التحالف بين اسرائيل والولايات المتحدة. الواقع انه كان بين بعض العرب وموسكو نصف حلف وكان بين اسرائيل والولايات المتحدة - ولا يزال رغم استثناءات معدودة - حلف كامل. وبانهيار الاتحاد السوفياتي عاد الوضع الى ما كان عليه في بداية القرن العشرين: عرب مجردون من حليف يدعمهم ولو بنصف قوته، وصهيونية مدعومة بحلف استراتيجي مع اقوى دولة على الارض تدعمها بكل قوتها.



ما بعد السوفياتي

اما علاقة اميركا بالأنظمة العربية التي توصف بالمعتدلة - وهي في معظمها اليوم "معتدلة" - فانه يصح عليه الوصف نفسه الذي اعطي لها اثناء ولاية الرئيس الاميركي رونالد ريغان. ففي مقال كتبه جون نيوهاوس عام 1984 واعطاه عنوانا ذا دلالة "النشاط الديبلوماسي: اشارات يأس"، ذكر ان المحيطين بالرئيس ريغان لم يعطوا مشكلاتهم مع "المعتدلين العرب" اهمية ما، فقد هزوا اردافهم لامبالين وقائلين انه "ليس لهؤلاء العرب مكان آخر (سوى واشنطن) يذهبون اليه".

الا ان نيوهاوس اضاف انه بالرغم من عدم وجود بديل لدى هذه الدول من ارتباطها بأميركا، فان القابلية المرتفعة للرأي العام في الشرق الاوسط (يقصد البلاد العربية) للاشتعال قد يقلب السياسة العقلانية رأسا على عقب ويؤدي الى تصرفات لاعقلانية (32).

مرت سبع عشرة سنة كي تتحقق توقعات نيوهاوس في الحادث الذي ادهش العالم الذي وقف يشاهد ما حصل على الارض الاميركية في نيويورك وواشنطن يوم 11 ايلول الماضي وكأنه في حلم من الاحلام. الا ان علينا عدم الانجراف مع عواطف او تحليلات الساعة فان حادثين مهمين مشابهين تقريبا كانا وقعا على الارض العربية قبل عشر سنوات: الاول ، اجتياح العراق للكويت والثاني حرب الخليج الثانية التي اعلنت بصورة بدا انه، لا شك ولا لبس، قيام "النظام الدولي الجديد" بزعامة الولايات المتحدة. وبدا حينها ان "زعامة العالم" قد تجد من مصلحتها نزع فتيل الاشتعال من الصراع العربي - الاسرائيلي وتقديم تنازلات - ولو شكلية - للعالم العربي تحت شعار "ازالة الشعار العربي اللاعقلاني" وكان هذا هو السبب الذي اعطي لعقد مؤتمر مدريد بين العرب واسرائيل عام 1991 تحت رعاية دولية.

ولكن، سرعان ما فقد هذا المؤتمر طريقه وعادت الامور الى حالها الاول من اللحمة الاستراتيجية الكاملة بين واشنطن وتل ابيب وجرى تناسي كل الوعود التي أُغدقت على "المعتدلين" من عرب المشرق والمغرب والخليج.

نعم، قد تكون "اشارات اليأس" قد تحولت افعال خيبة آمال دامية إن على الارض العربية خصوصا الفلسطينية، او - اخيرا - على الارض الاميركية. وقد تدفع هذه الاحداث واشنطن الى ان تكون اكثر جدية في تقديم بعض التنازلات للعرب في ما يتعلق بالصراع العربي - الاسرائيلي تحت شعار "محاربة الارهاب" ولكن المستقبل كتاب غير مفتوح وعلينا عدم قراءته قبل الاوان.

ومع هذا، فان الزلزال الذي ضرب الولايات المتحدة يوم 11 ايلول 2001 اودى بحياة ابرياء كثيرين، لكنه نبّه واشنطن في الوقت نفسه الى ان "ديموقراطية الخارج" لا تقل اهمية عن "ديموقراطية الداخل" وانها لا تعيش خارج الكرة الارضية مستثناة من ردود الفعل على سياستها التي تحكم غيرها من الامم (33).

والمفارقة ان روح العصر الحديث "المعولم" الذي كانت تبشر به انقلب عليها نفسها. فهو لا يقبل من الامبراطورية العالمية الجديدة ما كان يقبله من الامبراطوريات التي سبقتها بسبب ولوجنا الى العولمة بالذات. واذا كان الرئيس الاميركي جورج بوش الابن قد اطلق تصريحات تأييد قيام دولة فلسطينية كنوع من تصويب لسياسة واشنطن التي كانت تكيل بكيلين وتقيس بمقياسين في ما يتعلق بالعرب وباسرائيل، فان هذا تطور حسن وسليم. ولكن "يبقى التنفيذ" على حد ما اشار اليه رئيس الحكومة اللبنانية السيد رفيق الحريري (34).

اما اذا كان ذلك جزءا من مناورة اعلامية او تكتيك سياسي لكسب تحالفات عربية مؤقتة، ناطقة او صامتة، فان المسألة سيكون لها ابعاد اخطر ما يتصوره الكثيرون. فلا يظنن احد انه بالامكان اليوم اطلاق الوعود وكسرها غداً مثلما فعلت بريطانيا مع العرب بعد الحرب العالمية الاولى (35)، فعالم اليوم غير عالم الامس والزلزال الذي ضرب اعمدة المال والحرب في نيويورك وواشنطن صبيحة 11 ايلول 2001 وألهب الحديد والنار فيهما قد يتضاءل امام زلزال يفوقه اضعافاً في عالم "الاواني المستطرقة" الذي دخلناه اذا استخدم العرب سياسة الخداع بعد الآن.

ان "العولمة" لا تكمن في رفض قليل او كثير من البيئات والثقافات اللاغربية للغرب فحسب، بل انها تكمن اكثر ما تكمن في رفض فهم الغرب اجمالا لبيئات وثقافات غير بيئاتها وثقافاتها (36).

فالغربي اكثر امية عادة في معرفة الآخر، من الغير الغربي في معرفة الغرب والغربي. وهذا امر قد يكون بديهياً وطبيعيا لأن عالم الغرب الرأسمالي سبق غيره من المجتمعات بأشواط. وتاليا فان المجتمعات والثقافات الغير الغربية بحاجة الى محاكات الغرب والتمثل به بدرجة او بأخرى. اما العكس فليس صحيحا. الا ان العالم الغير الغربي ينتظر من الغرب ان يكون امينا في تعامله معه وحسب القيم الغربية نفسها التي يتغنى بها ليل نهار. لذلك، فان اتهام شارون واشنطن بامكان التضحية بمصالح اسرائيل من اجل كسب العرب الى جانبها في حربها الجديدة ضد "الارهاب" (37) يحيد كثيرا عن المنطق لأن العرب يطالبون بتنفيذ قرارات الامم المتحدة والشرعية الدولية راجين من الولايات المتحدة عدم الوقوف حجر عثرة في هذا المجال ليس الا.

وبالعودة الى موضوعنا الاساس، لا بد ان نكرر ان واشنطن لا زالت هي العنوان الوحيد اليوم لمعظم العواصم العربية او كلها. ورغم ان اشارات اليأس في الشارع العربي قد رافقتها ايضا اشارات "صحوة قومية" على مستوى هذا الشارع نفسه - على حد قول الرئيس السوري بشار الاسد في مؤتمر القمة العربي الاخير - وعلى ما نرى من بطولات الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وتضحياته - فان ذلك لن يحل برأينا "ازمة غياب الحليف" لدول وشعوب لم تصل بعد الى مرحلة تمكّنها من الاعتماد المعقول او شبه المعقول على النفس. فنحن اليوم، "في موقف لا نصير لنا فيه" (38) حسب تعبير الامير عادل ارسلان، وزير خارجية سوريا، عندما كان يحاول منع فرنسا من تقسيم سوريا واعطاء لواء الاسكندرون لتركيا عام 1938 وبعد استعراضه مواقف الدول الاوروبية كافة حينذاك! وفي انتظار تغيير، ولو جزئي، في موازين القوى الدولية، فان على عرب المواجهة - المفروضة - مع اسرائيل ان يفتشوا عن مدخل الى التوازن معها ومع حليفها الدولي والخروج من مأزقهم في مزيج من عوامل ثلاثة:

الاول، التنبه الى ان عدم وجود قطب دولي معادل للقطب الدولي الاميركي حاليا، وبرأينا منذ ما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي عام ،1989 لا يعني ان ابواب العالم الخارجي كانت وما زالت موصدة مئة في المئة. ونستطيع التقدم بمثالين في هذا المجال. المثال الاول يتعلق بالاجتياح الاسرائيلي للبنان في حزيران ،1982 الامر الذي ادى - وبدون تقديم تفاصيل كثيرة هنا - الى دفع الدولة اللبنانية الى القيام بمفاوضات مع اسرائيل اسفرت عن مشروع اتفاق 17 مايو 1983 القاضي بانسحاب اسرائيل العسكري، ولكن من ضمن مفهوم غير معاد لها سياسيا في المنطقة (39). وقد اشتركت سوريا في حرب 1982 عندما اجتاحت القوات الاسرائيلية لبنان ثم احتلت ولأول مرة عاصمة عربية، الا ان نتيجة الاشتباك السوري مع القوات الاسرائيلية وخاصة سلاح الطيران كان في غير مصلحة دمشق الى حد ان بعض المصادر تحدثت عن ان الطيران العسكري السوري وقوات الدفاع الجوي (من مضادات ارضية وصواريخ) لم تعد ذات فاعلية تذكر وان الطيران الاسرائيلي يستطيع السيطرة على الاجواء السورية واللبنانية على حد سواء.

في تلك الفترة حدث نوع من "الارتباك" في السياسة السورية اذ ان قدرتها العسكرية تقلصت الى حد بعيد وهي لم تتلقَ كذلك وعوداً من حليفها (او نصف حليفها) الاستراتيجي المتمثل بالاتحاد السوفياتي تحت قيادة ليونيد بريجينيف وقتها بأنه سيجري تزويدها بما يلزمها عسكريا لتحقيق ولو نوع من التوازن العسكري الاستراتيجي الجزئي مع اسرائيل يسمح لها بالدفاع في حال الضرورة.

ومن ناحية ثانية، كانت الدولة اللبنانية تطلب من دمشق الموافقة على تحرير تدريجي لبنود الاتفاق الاسرائيلي - اللبناني الذي اصبح يعرف في صيغته النهائية بعد ذلك باتفاق 17 ايار. وهنا قد تكون دمشق قد وقعت في معضلة دقيقة. فلا هي تستطيع رفض طلب الدولة اللبنانية وقتها لعدم تأكدها من ان قدرتها العسكرية تستطيع مساندة هذا الموقف ولا هي كانت تستطيع الموافقة على اتفاق 17 ايار لأنه يعني اعترافا، ولو ضمنيا، بأن اسرائيل اصبحت المركز او المرجع السياسي الاقليمي في بلاد المشرق العربي كلها. ويبدو ان الاقدار تدخلت لانقاذ دمشق من حيرتها وتقوية مركزها فقد توفي الزعيم السوفياتي بريجينيف الذي كان - حسب ما يقال - مصرا على عدم الاقدام على ما من شأنه ان يفسر بأنه خطوة نحو مجابهة مع الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، في 10 تشرين الثاني .1982 وقد خلفه يوري اندروبوف الذي، وان لم يكن يريد الخروج عن الخط العام لسياسة الكرملين المقررة سابقا، الا انه كان اكثر جرأة في محاولة الحفاظ على المراكز السياسية الصديقة لموسكو ولو بصورة نسبية. وهكذا، تغيرت سياسة الاتحاد السوفياتي مع سوريا بمجيء عهد اندروبوف القصير الى السلطة (توفي في 9 شباط 1984) وقررت موسكو تزويد دمشق بما يسمح لها بالوقوف الدفاعي امام اسرائيل في حال الضرورة. وقد ترجم هذا الوضع العسكري الجديد سياسيا على الأرض فأصبح موقف سوريا اقوى واصبحت لهجتها في رفض اتفاق 17 ايار بين لبنان واسرائيل اعلى واصبحت تحالفاتها على الساحة اللبنانية اقوى. كل هذا ادى في نهاية الامر الى عدم توقيع الاتفاق وافشال محاولة تل ابيب السيطرة السياسية على المشرق العربي.

صبياني
08-01-2002, 07:09 AM
غير انه لا بد من القول هنا ايضا انه رغم التغير الذي حصل في السياسة السوفياتية في عهد اندروبوف فان هدف هذه السياسة كان افشال الاستراتيجيا الاميركية في المنطقة من دون ان يكون لموسكو تصور عام لاستراتيجيتها هي في المنطقة مقابل الاستراتيجية الاميركية الشاملة. فموسكو لم تكن مثلا مع توقيع العرب اتفاقا مع اسرائيل يؤدي بالضرورة الى اتفاق مع واشنطن ايضاً، وهي لم تكن ايضا مع خيار الحرب لأنه قد يدفع بالاستقطاب مع الولايات المتحدة الى نقطة الانفجار. وتاليا كانت سياستها كما عبّر عنها الكثيرون هي سياسة "اللاحرب واللاسلم" او "اللانصر واللاهزيمة". ويقول الدكتور ايلي سالم، وزير الخارجية اللبناني في 1982 - ،1983 ان اكثر ما يعبر عن هذا الموقف هو ما قاله له سولداتوف، سفير موسكو في لبنان في تلك الفترة وهو "ان هدفي هنا ان اهزم السياسة الاميركية في الشرق الاوسط" (40) My Presence here is to defeat American Policy in the Middle East.

وعليه، فان الموقف السوفياتي ساعد سوريا ليس على استرجاع اراضيها المحتلة، ولكنه ساعدها بالمعنى الاستراتيجي السياسي القاضي بعدم السماح للحلف الاسرائيلي - الاميركي بالاستيلاء السياسي على المشرق بدون ثمن يذكر. صحيح ان وجود حليف كامل افضل من وجود "نصف حليف" لكن الصحيح ايضا ان "النصف الحليف" افضل بالمنطق نفسه من عدم وجود حليف على الاطلاق كما اثبت موقف روسيا قبل شهور قليلة من رفضها فرض "عقوبات ذكية" جديدة على العراق وافشال هذه الخطوة في مجلس الامن.

اما المثال الثاني فهو مثال المقاومة اللبنانية في جنوب البلاد الذي ارغم اسرائيل بعد عقدين من الزمن على الانسحاب من دون قيد ولا شرط رغم ان حساباتها السياسية كانت ترى ان هذه الخطوة قد توفر لها سياسة اكثر مرونة في المشرق. الا ان اللافت في استراتيجيا المقاومة اللبنانية المسلحة هي انها استطاعت - رغم كل شيء - تحقيق هدفها الرئيسي من دون دعم قوي من احدى الدول الكبرى، بل انها فعلت ذلك مستقلة عن موسكو وواشنطن في وقت واحد. وما يعنيه ذلك بنظرنا من الناحية الاستراتيجية هي انه يمكن تحقيق هدف سياسي اساسي في المنطقة من خلال اقامة تحالفات اقليمية - اقليمية، وليس الامر مقتصراً على التحالفات الاقليمية - الدولية. فليس سرا ان "حزب الله" اللبناني على علاقة جيدة بكل من دمشق وطهران. فقد استعاض بهذين الحليفين الاقليميين عن حليف دولي واستطاع تحقيق نصره، طبعا دون ان ننسى عامل التعبئة الشعبية العالية التي استطاع ان يحققها لكي ينزل ضربات موجعة باسرائيل. ولكن، ماذا لو اعتبرت واشنطن "حزب الله" احد اعدائها في حربها الجديدة ضد الارهاب؟


العامل الثاني الاستعاضة عن دعم دولي مباشر بتطوير شبكة علاقاتهم الاقليمية وربطها بمصالحهم ومصالح جيرانهم القومية. وهذا امر غير وقد عبر المعلق الاميركي البارز، أي أف ستون، في 1972 بعد طرد السادات الخبراء السوفيات في مصر، عن هذا الرأي كالآتي: "كان الخط الرئيسي لاستراتيجيا المصرية منذ ايام عبد الناصر قد ردده السادات مرة اخرى في خطابه بتاريخ 24 تموز (1972) امام المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي العربي. وكانت هذه الاستراتيجيا تقوم على محاولة استعادة الاراضي المحتلة اما بواسطة حرب جديدة بدعم سوفياتي او بدون حرب من خلال الضغط الاميركي على اسرائيل. اما شن حرب جديدة في صورة منفردة (على اسرائيل) فانه سيكون انتحارياً...

كان عبد الناصر يريد من موسكو ان تراهن على مجابهة اميركية - سوفياتية وخطر قيام حرب عالمية ثالثة لفرض تسوية ما... اما سياسة اميركا وكذلك سياسة الاتحاد السوفياتي فكانت تجنب مثل هذه المجابهة... ان السوفيات الذين كانوا خائفين من مبادرة عسكرية مصرية ذات توقيت سيئ رحبوا بقرار السادات متنفسين الصعداء (31).
سهل، لكنه ايضا غير مستحيل خاصة اذا تطلع عرب المواجهة (على الرغم منهم) شرقا وبدأوا باعادة بناء علاقة تحالف مع الدول غير المعادية بالضرورة لهم لبنة لبنة وبصورة تدريجية فلا مجال لتوقع تغييرات دراماتيكية بين ليلة وضحاها في عالم اليوم وتحت مظلة "نظام العولمة" اذا قيض له النجاح.

الا انه لا بد من الاشارة الى ان ما يسمى "التحالف الدولي المعادي للارهاب" الذي يشمل الولايات المتحدة واعضاء الحلف الاطلسي وروسيا وغيرها من جمهوريات آسيا الوسطى التي لا تزال تنظر الى موسكو لرسم سياساتها رغم انهيار الاتحاد السوفياتي قد يكون حلفا هائل القوة ومؤشراً الى بروز "فاشودة اميركية - روسية" هذه المرة اذا صح التعبير. غير ان تبادل المصالح بين اطراف هذا الحلف قد لا يكون سهلا، فالصراع او حتى المنافسة على مخزون نفط بحر قزوين هو احدى نقاط الاحتكاك الممكن بين رفاق اللحظة التاريخية الحاضرة (41).

ولكل طرف من اطراف هذا التحالف هدف خاص للدخول فيه وقد يتناقض مع اهداف غيره بعد جلاء غبار المعركة التي بدأت عمليا. و"الايام حبلى بكل جديد" كما يقال.

اما العامل الثالث الذي قد يساعد العرب كثيرا فهو خروجهم من "السياسوية" المطلقة وتحولهم الى الجدية في تفعيل عوامل غير عوامل السياسة الخارجية. ولعلهم اذا وفروا لأنفسهم ظروف تنمية وتقدم سياسي واقتصادي داخلي جدي، فانهم سيجدون أنفسهم في موقع اقوى بكثير من موقع "المأزق" الذي احتلوه طوال قرن من الزمان خاصة عندما تحين الساعة وتهب رياح جديدة على المنطقة وعلى العالم. الا ان لهذه الظروف الداخلية ايضا شروطا ومسببات ضرورية قد يمكن الحديث عنها مستقبلا.