صبياني
08-01-2002, 07:05 AM
لقد تاه منى الجزء الأول ولم أجده من هذا التحقيق ... ولكن لربما كان الجزء الثاني مليء بالمعلومات المفيدة المهمة ... نقلا عن النهار اللبنانية
هل لدينا عنوان نذهب اليه سوى واشنطن؟
الحلقة الثانية الأخيرة من دراسة الدكتور محمود حداد حول مأزق السياسات الخارجية العربية في القرن العشرين:
نصف حلف عربي مع السوفيات مقابل نصف حلف سوفياتي مع العرب
بعد الحرب العالمية الثانية دخلت المنطقة في فترة تاريخية مختلفة واصبح الصراع عليها بين الاستعمار القديم الممثل اساسا ببريطانيا والاستعمار الجديد الممثل بالولايات المتحدة. وقد افادت منطقة المشرق وخصوصا سوريا ولبنان من التنافس بين قديمين اي الاستعمارين البريطاني والفرنسي الامر الذي ساهم في حصول هذين البلدين على استقلالهما. كما افادت مصر من التنافس بين قديم وجديد اي الاستعمار البريطاني والنفود الاميركي الذي برز بعد الحرب العالمية الثانية، فكان ذلك من جملة العوامل التي ساهمت في انهاء الملكية وجعل حركة 23 تموز 1952 ممكنة التحقيق.
لكن النفوذ الاميركي الجديد في ثلاث دول عربية تحديدا وهي سوريا وفلسطين ومصر سرعان ما كشفت عن جدول اعمال مشابه لجدول اعمال الاستعمار البريطاني وإن بوسائل اكثر فطنة وحداثة.
كان الاتحاد السوفياتي هو القوة الدولية الثانية بعد الولايات المتحدة والتي برزت بعد الحرب العالمية الثانية، في فلسطين حلت واشنطن محل لندن في دعمها للمشروع الاستيطاني الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين ولم يكن الاتحاد السوفياتي اقل حماسة لقيام اسرائيل، فكان ثاني دولة تعترف بالكيان الصهيوني عام .1948 وهكذا، اقفل الجباران العالميان الجديدان الطريق على الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى اية محاولة اقليمية عربية لمساعدة عرب فلسطين مساعد جدية رغم دخول الدول العربية الخجول حرب فلسطين ذلك العام (23).
اما خارج فلسطين فاعتبرت الولايات المتحدة وحليفتها البريطانية المسؤولة عن عدم تحقيق الاماني العربية.
غض النظر عن وقف موسكو حيال فلسطين واعتبرت القاهرة التي اخذت تمثل مركز الثقل القومي العربي انه لا بد من الاقتراب من الاتحاد السوفياتي لموازنة النفوذ الاميركي وما تبقى من نفوذ بريطاني.
لكن القاهرة كانت تعرف ان موسكو لا تملك ما تملكه الولايات المتحدة في الشرق الاوسط رغم وقوفها مع مصر خلال العدوان الثلاثي عليها عام ،1956 وهي كانت افادت سياسياً من الرفض السوفياتي والاميركي معاً لعودة الاستعمارين القديمين الفرنسي والبريطاني تحت غطاء اسرائيلي الى المنطقة.
وكانت القاهرة قبل ذلك بعام، وعندما تبين لها ان واشنطن تضع شروطا على توريد السلاح قد اتخذت خطوة غير مسبوقة اذ ان الرئيس عبد الناصر بادر الى كسر احتكار السلاح في المنطقة وعقد اول صفقة تسلح مع الاتحاد السوفياتي عام .1955
ومع ذلك، فان العلاقة العربية - السوفياتية ظلت اسيرة نظرتي شك متبادلتين ان في القاهرة وإن في موسكو.
كانت الاخيرة تلاحظ ان القاهرة لا تسير معها الى آخر الشوط وكأنها تريد ان تستثمر علاقتها بها لكي تزيد حجمها وقوة موقفها التفاوضي مع واشنطن اكثر من اي شيء آخر. وكانت القاهرة بدورها تلاحظ ان موسكو غير راغبة في اعطائها دعماً يوازي الدعم الغربي لاسرائيل لأسباب قد يكون بينها ان موسكو لم تكن تعتبر ان لها حقاً كاملاً في الدخول الى المنطقة العربية التي كانت حكرا قبل الحرب العالمية الثانية، على دول غرب اوروبا.
صحيح ان الولايات المتحدة اقصت عددا من هذه الدول عن مواقعها القديمة بهدف الحلول مكانها او مشاركتها النفوذ، الا ان ذلك ظل ضمن المنافسة داخل "العائلة الاطلسية الواحدة"، وتاليا فان موسكو بوضعها خارج هذه العائلة بدت مترددة، في اوقات كثيرة، في الدخول الى الميدان العربي في شكل مباشر. ولهذا فان صفقة السلاح التي عقدت بين القاهرة وموسكو عام 1955 اتخذت رسميا اسم صفقة السلاح التشيكية.
أليس من اللافت تفسير عبد اللطيف البغدادي، احد اعضاء مجلس قيادة الثورة، احد اسباب اعتراف مصر بالصين الشعبية في 16 ايار ،1956 اي بعد حوالي سنة كاملة من عقد تلك الصفقة، بأنه محاولة فتح قناة جديدة مباشرة بين القاهرة وموسكو من طريق بيجينغ ربما لأنها لم تكن عضوا في حلف وارسو:
"...ان خروتشوف وبولغافين كانا قاما بزيارة لبريطانيا في شهر نيسان 1956 وصرح خروتشوف في مؤتمر صحافي هناك ان روسيا على استعداد للمشاركة في قرار هيئة الامم المتحدة الخاص بحظر تصدير الاسلحة الى منطقة الشرق الاوسط لو اصبحت روسيا عضوا رابعا مع دول التصريح الثلاثي المرتبطة بهذا الحظر وهي الولايات المتحدة وانكلترا وفرنسا - وخشيت مصر ان يوضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ في المستقبل وان يغلق في وجهها الباب الوحيد الذي فتح امامنا والذي نستورد منه احتياجاتنا من السلاح. وقد رأت مصر ان الاعتراف بالصين الشيوعية يضمن لها استمرار توريد الاسلحة من روسيا من طريق الصين كطرف ثالث (24).
ويمكننا تأكيد شك موسكو بالقاهرة خصوصا بعد قيام الوحد المصرية - السورية عام 1958 واصطدام الاتجاه القومي العربي بالاتجاه الشيوعي في مصر وسوريا والعرق طوال فترة الوحدة. واذا جاز لنا الموافقة على ما كتبه الدكتور وليد الخالدي من ان اول اخطاء عبد الناصر الاستراتيجية كان "احجامه عن ممارسة صلاحياته الدستورية في الحفاظ على الوحدة" (25)، جاز لنا ايضا التوقف عند شهادة عبد الهادي البكار الذي شغل موقعا متقدما في الجهاز الناصري:
"سمعت من علي صبري في العام 1986 ان عبد الناصر كان جادا في مقاومة الانفصال عسكريا... وانه ما ارسل قوات عسكرية محمولة برا وجوا من مصر الى اللاذقية الا على هذا الاساس... ولكن ايقظه (كذا) السفير السوفياتي لينقل اليه رسالة عاجلة من قادة الكرملين: دع سوريا وشأنها (26).
اذا صحت هذه الواقعة فانه لا يمكن تفسيرها بسهولة فهي تحتمل تفسيرات عدة. منها ان موسكو كانت تسعى لأن تصبح سوريا تابعة لها بصورة مباشرة، وليس عبر القاهرة، ومنها ان الكرملين كان يرى في الحركة القومية العربية المنافس الأكبر للحركة الشيوعية العربية التي كانت ملتصقة بسياسات موسكو اكبر التصاق، ومنها ايضا ان العاصمة السوفياتية لم تكن ترغب في بروز قطب عربي - اسلامي في منطقة الشرق الاوسط قد يجذب اليه ، في ما بعد، اتجاهات معينة داخل جمهوريات الاتحاد السوفياتي الواقعة في آسيا الوسطى! وبما يكون الامر مزيجاً من الامور الثلاثة مجتمعة.
الا ان المفارقة تكمن في ان عملية "فك الوحدة" كانت من صنع غربي وكان من ابرز رموزها والعاملين في سبيلها مأمون الكزبري المعروف بعلاقاته الوثيقة مع هذه الجهات منذ الخمسينات على الاقل. وتاليا فرغم تنفيذ "الانفصال" بأدوات غربية وربما عربية ايضا، فانه كان هنالك اكثر من مستفيد من الجريمة ان في الشرق او في الغرب!
وفي كل الاحوال، ظلت القاهرة ترى الخطر عليها آتياً من جهة الغرب. لكن سياسة موسكو خاصة بعد عام من الانفصال وبعد ازمة الصواريخ الكوبية مع الولايات المتحدة، اخذت تعجل الخطى نحو تجنب اية سياسة قد تؤدي الى احتمال مواجهة مع واشنطن. ومن المفيد هنا الاطلاع على رأي جريدة "التايمس" البريطانية في ما يتعلق بموضوعنا قيد البحث:
"منذ ازمة الصواريخ الكوبية قبل اكثر من عشرين سنة، اظهرت موسكو ترددا واضحاً في الخوض مباشرة في عمليات عسكرية قد تؤدي الى صراع مع الولايات المتحدة. وقد تعطي التصريحات الطنانة المعادية لأميركا... الانطباع بأن موسكو تنتظر الوقت الملائم قبل مهاجمة المصالح الاميركية. اما الواقع، فان التهديدات لم تكن مقدمة للتنفيذ: ليس في غراندا، ليس في اميركا الوسطى، وبالاخص ليس في الشرق الاوسط (27)".
ثم تقع حرب حزيران 1967 ويهزم فيها العرب، وبالاخص حركتهم القومية، وتتأثر بذلك موازين القوى الاقليمية والدولية وتسجل واشنطن مكسباً لمصلحتها لا شك فيه، وينقل محمد حسنين هيكل نفسه ما وصفه "بنبوءة" الرئيس اليوغوسلافي الاسبق الماريشال تيتو الذي ابلغ الرئيس جمال عبد الناصر ما قاله في اجتماع عسكري عقده مع القادة السوفيات في 10 حزيران :1967
"...ان ما حدث في الشرق الاوسط (في 5 حزيران) يمكن ان تكون له آثار على الموازين العالمية كلها. فبمجرد ان تعطي الولايات المتحدة نفسها حق ان تتقدم لضرب احدى الدول الطليعية في حركة التحرر الوطني ثم لا يكون امام الاتحاد السوفياتي سوى ان يدين العدوان - تكون هذه بداية لها ما بعدها. اليوم تضرب حركة التحرر الوطني في الشرق الاوسط وغداً دول اوروبا الشرقية وبعد غد يصل الخطر الى الاتحاد السوفياتي الذي سوف يجد نفسه محاصرا ومعزولاً (28).
ومع ذلك، وبعد اقل من اسبوعين على كلام تيتو مع قادة الكرملين، فان ذهنية التخوف او الخوف من اصطدام سوفياتي مع الولايات المتحدة او احد حلفائها ظل الاولوية في موسكو. وهكذا، عندما جاء الرئيس السوفياتي الاسبق بودغورني الى القاهرة في نهاية حزيران 1967 لعقد محادثات مع الرئيس عبد الناصر والاتفاق على تزويد مصر بما تحتاجه لاعادة بناء قواتها المسلحة، لم يجد اية غرابة في سؤال الرئيس المصري الذي كان يطلب طائرات ردع مقاتلة بعيدة المدى - وسيناء محتلة والجيش الاسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس - "هل تطلبون المزيد من الطائرات بهدف القضاء نهائيا على اسرائيل؟!" (29).
لماذا "بلعت" موسكو الاهانة... ورحبت سرا بطرد خبرائها من القاهرة في 1972؟!
في حديثه عن "الوقفة مع الصديق السوفياتي" التي اطلقها الرئيس انور السادات عام 1972 وطرده الخبراء السوفياتي صيف ذلك العام يروي لنا محمد حسنين هيكل رواية مدهشة عن تفاصيل تلك الوقفة بفصولها الهزلية والدرامية. لكن الكاتب نفسه يذكر لنا ان وفدا من كبار مساعدي السادات - كان بينهم، رئيس الوزراء الدكتور عزيز صدقي، ووزير الدفاع الفريق محمد احمد صادق ووزير الخارجية الدكتور مراد غالب ومدير الاستخبارات العامة اللواء احمد اسماعيل علي - ذهب الى موسكو "لجهد خارق تحول به مجرى الحوادث فعلا... وعاد ومعه برنامج تفصيلي ومحدد بطلبات سلاح سبق التعاقد عليها وتأخر توريدها وهي الآن جاهزة للشحن، ومعها موافقة على طلبات جديدة قدمها الوفد المصري الى موسكو، وقد جرى تحديد مواعيد نهائية متلاحقة لتسليمها في الاسكندرية". ويخلص الكاتب الى ان مناورة السادات قد نجحت في "المقامرة على المكشوف" والحصول على السلاح الذي حقق ما تحقق في اكتوبر 1973 (30).
ولكن الا يحق لنا ان نسأل كيف غيرت موسكو موقفها من امداد القاهرة بالسلاح الموعود منذ سنين بعد اهانة سياسية اخذت من رصيدها الاقليمي، بل والدولي شيئاً غير قليل؟ هل كان السبب هو في ذلك الوفد المصري الرفيع المستوى الذي ذهب الى موسكو لوضع حدود لقطيعة كاملة بين الاتحاد السوفياتي ومصر ام ترى يمكننا تقديم تفسير آخر؟ اليس غريباً ان الكرملين وافق على اعطاء عزيز صدقي ما رفض اعطاءه للسادات؟
هنا، ايضا، نميل الى القول ان موسكو لم تكن مرتاحة لوجود خبرائها في مصر لأن ذلك جعل من المواجهة بين مصر واسرائيل مركز استقطاب اميركي - سوفياتي وكان يمكن ان يعيد تجربة ازمة الصواريخ الكوبية لعام 1962 مرة اخرى. وهكذا، كان الزعماء السوفيات في الواقع غاضبين للطريقة وللشكل اللذين اخرج بها السادات خبراءهم من مصر ولكنهم كانوا في قرارة انفسهم مرتاحين استراتيجياً لأنهم انهوا "التورط" الذي دفعهم اليه الرئيس عبد الناصر بجعلهم يرسلون هؤلاء الخبراء من الاساس. ولا ننس هنا ان مجموعة "15 مايو" المعادية للسادات والتي نشر هيكل نفسه محاضر جلسات سرية لها كانت تتحدث عن انتهاج سياسة توريط لموسكو في حرب مع اسرائيل يرجى منها استرجاع سيناء او الاراضي العربية المحتلة بعد 1967 بعد وفاة الرئيس عبد الناصر وانتهاء فترة وقف اطلاق حسب مبادرة وزير الخارجية الاميركي، روجرز، وقتها.
هل لدينا عنوان نذهب اليه سوى واشنطن؟
الحلقة الثانية الأخيرة من دراسة الدكتور محمود حداد حول مأزق السياسات الخارجية العربية في القرن العشرين:
نصف حلف عربي مع السوفيات مقابل نصف حلف سوفياتي مع العرب
بعد الحرب العالمية الثانية دخلت المنطقة في فترة تاريخية مختلفة واصبح الصراع عليها بين الاستعمار القديم الممثل اساسا ببريطانيا والاستعمار الجديد الممثل بالولايات المتحدة. وقد افادت منطقة المشرق وخصوصا سوريا ولبنان من التنافس بين قديمين اي الاستعمارين البريطاني والفرنسي الامر الذي ساهم في حصول هذين البلدين على استقلالهما. كما افادت مصر من التنافس بين قديم وجديد اي الاستعمار البريطاني والنفود الاميركي الذي برز بعد الحرب العالمية الثانية، فكان ذلك من جملة العوامل التي ساهمت في انهاء الملكية وجعل حركة 23 تموز 1952 ممكنة التحقيق.
لكن النفوذ الاميركي الجديد في ثلاث دول عربية تحديدا وهي سوريا وفلسطين ومصر سرعان ما كشفت عن جدول اعمال مشابه لجدول اعمال الاستعمار البريطاني وإن بوسائل اكثر فطنة وحداثة.
كان الاتحاد السوفياتي هو القوة الدولية الثانية بعد الولايات المتحدة والتي برزت بعد الحرب العالمية الثانية، في فلسطين حلت واشنطن محل لندن في دعمها للمشروع الاستيطاني الصهيوني وتشجيع الهجرة اليهودية الى فلسطين ولم يكن الاتحاد السوفياتي اقل حماسة لقيام اسرائيل، فكان ثاني دولة تعترف بالكيان الصهيوني عام .1948 وهكذا، اقفل الجباران العالميان الجديدان الطريق على الحركة الوطنية الفلسطينية وعلى اية محاولة اقليمية عربية لمساعدة عرب فلسطين مساعد جدية رغم دخول الدول العربية الخجول حرب فلسطين ذلك العام (23).
اما خارج فلسطين فاعتبرت الولايات المتحدة وحليفتها البريطانية المسؤولة عن عدم تحقيق الاماني العربية.
غض النظر عن وقف موسكو حيال فلسطين واعتبرت القاهرة التي اخذت تمثل مركز الثقل القومي العربي انه لا بد من الاقتراب من الاتحاد السوفياتي لموازنة النفوذ الاميركي وما تبقى من نفوذ بريطاني.
لكن القاهرة كانت تعرف ان موسكو لا تملك ما تملكه الولايات المتحدة في الشرق الاوسط رغم وقوفها مع مصر خلال العدوان الثلاثي عليها عام ،1956 وهي كانت افادت سياسياً من الرفض السوفياتي والاميركي معاً لعودة الاستعمارين القديمين الفرنسي والبريطاني تحت غطاء اسرائيلي الى المنطقة.
وكانت القاهرة قبل ذلك بعام، وعندما تبين لها ان واشنطن تضع شروطا على توريد السلاح قد اتخذت خطوة غير مسبوقة اذ ان الرئيس عبد الناصر بادر الى كسر احتكار السلاح في المنطقة وعقد اول صفقة تسلح مع الاتحاد السوفياتي عام .1955
ومع ذلك، فان العلاقة العربية - السوفياتية ظلت اسيرة نظرتي شك متبادلتين ان في القاهرة وإن في موسكو.
كانت الاخيرة تلاحظ ان القاهرة لا تسير معها الى آخر الشوط وكأنها تريد ان تستثمر علاقتها بها لكي تزيد حجمها وقوة موقفها التفاوضي مع واشنطن اكثر من اي شيء آخر. وكانت القاهرة بدورها تلاحظ ان موسكو غير راغبة في اعطائها دعماً يوازي الدعم الغربي لاسرائيل لأسباب قد يكون بينها ان موسكو لم تكن تعتبر ان لها حقاً كاملاً في الدخول الى المنطقة العربية التي كانت حكرا قبل الحرب العالمية الثانية، على دول غرب اوروبا.
صحيح ان الولايات المتحدة اقصت عددا من هذه الدول عن مواقعها القديمة بهدف الحلول مكانها او مشاركتها النفوذ، الا ان ذلك ظل ضمن المنافسة داخل "العائلة الاطلسية الواحدة"، وتاليا فان موسكو بوضعها خارج هذه العائلة بدت مترددة، في اوقات كثيرة، في الدخول الى الميدان العربي في شكل مباشر. ولهذا فان صفقة السلاح التي عقدت بين القاهرة وموسكو عام 1955 اتخذت رسميا اسم صفقة السلاح التشيكية.
أليس من اللافت تفسير عبد اللطيف البغدادي، احد اعضاء مجلس قيادة الثورة، احد اسباب اعتراف مصر بالصين الشعبية في 16 ايار ،1956 اي بعد حوالي سنة كاملة من عقد تلك الصفقة، بأنه محاولة فتح قناة جديدة مباشرة بين القاهرة وموسكو من طريق بيجينغ ربما لأنها لم تكن عضوا في حلف وارسو:
"...ان خروتشوف وبولغافين كانا قاما بزيارة لبريطانيا في شهر نيسان 1956 وصرح خروتشوف في مؤتمر صحافي هناك ان روسيا على استعداد للمشاركة في قرار هيئة الامم المتحدة الخاص بحظر تصدير الاسلحة الى منطقة الشرق الاوسط لو اصبحت روسيا عضوا رابعا مع دول التصريح الثلاثي المرتبطة بهذا الحظر وهي الولايات المتحدة وانكلترا وفرنسا - وخشيت مصر ان يوضع هذا الاقتراح موضع التنفيذ في المستقبل وان يغلق في وجهها الباب الوحيد الذي فتح امامنا والذي نستورد منه احتياجاتنا من السلاح. وقد رأت مصر ان الاعتراف بالصين الشيوعية يضمن لها استمرار توريد الاسلحة من روسيا من طريق الصين كطرف ثالث (24).
ويمكننا تأكيد شك موسكو بالقاهرة خصوصا بعد قيام الوحد المصرية - السورية عام 1958 واصطدام الاتجاه القومي العربي بالاتجاه الشيوعي في مصر وسوريا والعرق طوال فترة الوحدة. واذا جاز لنا الموافقة على ما كتبه الدكتور وليد الخالدي من ان اول اخطاء عبد الناصر الاستراتيجية كان "احجامه عن ممارسة صلاحياته الدستورية في الحفاظ على الوحدة" (25)، جاز لنا ايضا التوقف عند شهادة عبد الهادي البكار الذي شغل موقعا متقدما في الجهاز الناصري:
"سمعت من علي صبري في العام 1986 ان عبد الناصر كان جادا في مقاومة الانفصال عسكريا... وانه ما ارسل قوات عسكرية محمولة برا وجوا من مصر الى اللاذقية الا على هذا الاساس... ولكن ايقظه (كذا) السفير السوفياتي لينقل اليه رسالة عاجلة من قادة الكرملين: دع سوريا وشأنها (26).
اذا صحت هذه الواقعة فانه لا يمكن تفسيرها بسهولة فهي تحتمل تفسيرات عدة. منها ان موسكو كانت تسعى لأن تصبح سوريا تابعة لها بصورة مباشرة، وليس عبر القاهرة، ومنها ان الكرملين كان يرى في الحركة القومية العربية المنافس الأكبر للحركة الشيوعية العربية التي كانت ملتصقة بسياسات موسكو اكبر التصاق، ومنها ايضا ان العاصمة السوفياتية لم تكن ترغب في بروز قطب عربي - اسلامي في منطقة الشرق الاوسط قد يجذب اليه ، في ما بعد، اتجاهات معينة داخل جمهوريات الاتحاد السوفياتي الواقعة في آسيا الوسطى! وبما يكون الامر مزيجاً من الامور الثلاثة مجتمعة.
الا ان المفارقة تكمن في ان عملية "فك الوحدة" كانت من صنع غربي وكان من ابرز رموزها والعاملين في سبيلها مأمون الكزبري المعروف بعلاقاته الوثيقة مع هذه الجهات منذ الخمسينات على الاقل. وتاليا فرغم تنفيذ "الانفصال" بأدوات غربية وربما عربية ايضا، فانه كان هنالك اكثر من مستفيد من الجريمة ان في الشرق او في الغرب!
وفي كل الاحوال، ظلت القاهرة ترى الخطر عليها آتياً من جهة الغرب. لكن سياسة موسكو خاصة بعد عام من الانفصال وبعد ازمة الصواريخ الكوبية مع الولايات المتحدة، اخذت تعجل الخطى نحو تجنب اية سياسة قد تؤدي الى احتمال مواجهة مع واشنطن. ومن المفيد هنا الاطلاع على رأي جريدة "التايمس" البريطانية في ما يتعلق بموضوعنا قيد البحث:
"منذ ازمة الصواريخ الكوبية قبل اكثر من عشرين سنة، اظهرت موسكو ترددا واضحاً في الخوض مباشرة في عمليات عسكرية قد تؤدي الى صراع مع الولايات المتحدة. وقد تعطي التصريحات الطنانة المعادية لأميركا... الانطباع بأن موسكو تنتظر الوقت الملائم قبل مهاجمة المصالح الاميركية. اما الواقع، فان التهديدات لم تكن مقدمة للتنفيذ: ليس في غراندا، ليس في اميركا الوسطى، وبالاخص ليس في الشرق الاوسط (27)".
ثم تقع حرب حزيران 1967 ويهزم فيها العرب، وبالاخص حركتهم القومية، وتتأثر بذلك موازين القوى الاقليمية والدولية وتسجل واشنطن مكسباً لمصلحتها لا شك فيه، وينقل محمد حسنين هيكل نفسه ما وصفه "بنبوءة" الرئيس اليوغوسلافي الاسبق الماريشال تيتو الذي ابلغ الرئيس جمال عبد الناصر ما قاله في اجتماع عسكري عقده مع القادة السوفيات في 10 حزيران :1967
"...ان ما حدث في الشرق الاوسط (في 5 حزيران) يمكن ان تكون له آثار على الموازين العالمية كلها. فبمجرد ان تعطي الولايات المتحدة نفسها حق ان تتقدم لضرب احدى الدول الطليعية في حركة التحرر الوطني ثم لا يكون امام الاتحاد السوفياتي سوى ان يدين العدوان - تكون هذه بداية لها ما بعدها. اليوم تضرب حركة التحرر الوطني في الشرق الاوسط وغداً دول اوروبا الشرقية وبعد غد يصل الخطر الى الاتحاد السوفياتي الذي سوف يجد نفسه محاصرا ومعزولاً (28).
ومع ذلك، وبعد اقل من اسبوعين على كلام تيتو مع قادة الكرملين، فان ذهنية التخوف او الخوف من اصطدام سوفياتي مع الولايات المتحدة او احد حلفائها ظل الاولوية في موسكو. وهكذا، عندما جاء الرئيس السوفياتي الاسبق بودغورني الى القاهرة في نهاية حزيران 1967 لعقد محادثات مع الرئيس عبد الناصر والاتفاق على تزويد مصر بما تحتاجه لاعادة بناء قواتها المسلحة، لم يجد اية غرابة في سؤال الرئيس المصري الذي كان يطلب طائرات ردع مقاتلة بعيدة المدى - وسيناء محتلة والجيش الاسرائيلي على الضفة الشرقية لقناة السويس - "هل تطلبون المزيد من الطائرات بهدف القضاء نهائيا على اسرائيل؟!" (29).
لماذا "بلعت" موسكو الاهانة... ورحبت سرا بطرد خبرائها من القاهرة في 1972؟!
في حديثه عن "الوقفة مع الصديق السوفياتي" التي اطلقها الرئيس انور السادات عام 1972 وطرده الخبراء السوفياتي صيف ذلك العام يروي لنا محمد حسنين هيكل رواية مدهشة عن تفاصيل تلك الوقفة بفصولها الهزلية والدرامية. لكن الكاتب نفسه يذكر لنا ان وفدا من كبار مساعدي السادات - كان بينهم، رئيس الوزراء الدكتور عزيز صدقي، ووزير الدفاع الفريق محمد احمد صادق ووزير الخارجية الدكتور مراد غالب ومدير الاستخبارات العامة اللواء احمد اسماعيل علي - ذهب الى موسكو "لجهد خارق تحول به مجرى الحوادث فعلا... وعاد ومعه برنامج تفصيلي ومحدد بطلبات سلاح سبق التعاقد عليها وتأخر توريدها وهي الآن جاهزة للشحن، ومعها موافقة على طلبات جديدة قدمها الوفد المصري الى موسكو، وقد جرى تحديد مواعيد نهائية متلاحقة لتسليمها في الاسكندرية". ويخلص الكاتب الى ان مناورة السادات قد نجحت في "المقامرة على المكشوف" والحصول على السلاح الذي حقق ما تحقق في اكتوبر 1973 (30).
ولكن الا يحق لنا ان نسأل كيف غيرت موسكو موقفها من امداد القاهرة بالسلاح الموعود منذ سنين بعد اهانة سياسية اخذت من رصيدها الاقليمي، بل والدولي شيئاً غير قليل؟ هل كان السبب هو في ذلك الوفد المصري الرفيع المستوى الذي ذهب الى موسكو لوضع حدود لقطيعة كاملة بين الاتحاد السوفياتي ومصر ام ترى يمكننا تقديم تفسير آخر؟ اليس غريباً ان الكرملين وافق على اعطاء عزيز صدقي ما رفض اعطاءه للسادات؟
هنا، ايضا، نميل الى القول ان موسكو لم تكن مرتاحة لوجود خبرائها في مصر لأن ذلك جعل من المواجهة بين مصر واسرائيل مركز استقطاب اميركي - سوفياتي وكان يمكن ان يعيد تجربة ازمة الصواريخ الكوبية لعام 1962 مرة اخرى. وهكذا، كان الزعماء السوفيات في الواقع غاضبين للطريقة وللشكل اللذين اخرج بها السادات خبراءهم من مصر ولكنهم كانوا في قرارة انفسهم مرتاحين استراتيجياً لأنهم انهوا "التورط" الذي دفعهم اليه الرئيس عبد الناصر بجعلهم يرسلون هؤلاء الخبراء من الاساس. ولا ننس هنا ان مجموعة "15 مايو" المعادية للسادات والتي نشر هيكل نفسه محاضر جلسات سرية لها كانت تتحدث عن انتهاج سياسة توريط لموسكو في حرب مع اسرائيل يرجى منها استرجاع سيناء او الاراضي العربية المحتلة بعد 1967 بعد وفاة الرئيس عبد الناصر وانتهاء فترة وقف اطلاق حسب مبادرة وزير الخارجية الاميركي، روجرز، وقتها.