صبياني
05-01-2002, 05:55 AM
وهي تشارك المهنة الأولى أشنع صفاتها وخصائصها . ذاك ماقاله رونالد ريجان مازحا .
بداية لنعرف السياسة وما تعني ...
ورد في معجم محيط المحيط :
ساس فلان الدوابَّ يسُوسها سِيَاسةً قام عليها وراضها وأَدَّبها والسلطان والوالي الرعيَّة تولَّى أمرها ودبَّرها وأحسن النظر إليها ويقال فلانٌ مجرَّبٌ قد ساس وسِيسَ عليهِ أي أَدَّب وأُدِّب.
السِّيَاسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجيّ في العاجل والآجل وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم ومن السلاطين والملوك على كلٍّ منهم في ظاهرهم لا غير ومن العلماءِ وَرَثة الأنبياءِ على الخاصة في باطنهم لا غير.
والسياسة المدنيَّة تدبير المعاش مع العموم على سَنَن العدل والاستقامة وهي من أقسام الحكمة العملية وتُسمَّى بالحكمة السياسية وعلم السياسة وسياسة الملك والحكمة المدنيَّة.
=========
رأيت أنه من المناسب أن أنقل مقالة مهمة و مفيدة وردت في صحيفة البيان قبل سنتين . هذه المقالة هي التى أقتبست منها عنوان هذه المشاركة :
لماذا يكرهون (السياسة) في الغرب؟ جذور المعنى.. وترسبات الممارسة
لماذا.. يختلف الناس اختلافا جذريا في النظر الى السياسة, وفي اتخاذ مواقفهم منها ومن ممارسيها, ومدرسيها على السواء؟ لان البعض ينظر الى واقع الممارسات السياسية في شتى المجتمعات, ويستخرج احكامه منها, بينما البعض الاخر ينظر الى نظريات السياسة وغاياتها ويستنبط تصوراته منها.
ازدراء السياسة ان العمل السياسي هو اكثر نشاط انساني يتسم بالاثارة, وبالآثار بعيدة المدى, ولذا يرمقه الناس باهتمام شديد, والمناصب السياسية هي اشد المناصب اغراء, ولذا يتنافس الناس عليها باستماتة منقطعة النظير, وفي غمار العمل السياسي تهدر اكثر المثل التي يرعاها الناس ويقدسونها, ولذا ينظر البعض الى ممارسات العمل السياسي بمنتهى الاحتقار. ودعنا بدل الاجمال ننظر الى بعض الامثلة ثم نخضعها لبعض المقارنة والتحليل ولنبدأ بهؤلاء المتشائمين المتقززين من ممارسات العمل السياسي, والذين اختلقوا ابشع التعريفات واشدها استهزاء وسخرية بالسياسة والسياسيين, وسخروا حتى من تصريفات الكلمة اللغوية وتعوذوا منها كما شاع من مقولة الامام الاكبر محمد عبده رضوان الله عليه. ان مما نفر محمد عبده عن العمل السياسي هو حسه الانساني المرهف فقد كان ـ كما قال ـ يحس في روحه انفاس القديسين, ولكنه لما خاض معامع السياسة على خطى استاذه جمال الدين الافغاني تأذت روحه وتمزقت في الصراع الضاري داخل مؤسسة السياسة, التي رأها تتخصص في انتاج الكراهية والحقد, وتجاهل حاجات الناس الحقيقية, التي يطلبون من السياسيين تحقيقها فالسياسة العملية, كما رآها محمد عبده, تلك التي عبر عنها هنري آدمز (عملية تجاهل الحقائق الموضوعية والسعي لانتاج حقائق اخرى من قبيل الوهم) , ولما كان محمد عبده يعد عمره بالثواني, ويشيع منهج (ديكارت) في التحقيق والتدقيق فإنه قد سحب نفسه بعيدا الى مجال عملي اجدى ـ كما رآه ـ هو مجال التعليم, فالتعليم اضافة الى روح الانسان, وتنمية لها, بينما رأى في السياسة عملية استلاب كبرى للذات. في هذا المنحى, كان جاك آفيرى يقرر بأن غاية العمل السياسي هي (اخضاع الناس) وان ذلك يتم عادة عن طريق (الحرب) , فالسياسة كما قال ماوتس تونج هي : (الحرب التي لاتسفك فيها الدماء) فهي حرب لطيفة ناعمة تعتمد على الدهاء, وكما يقول اوسكار اميرنجر فإن السياسة هي الفن السلوكي اللبق الذي يقوم على جلب اصوات المواطنين الفقراء, وجلب التمويل للحملات الانتخابية من المواطنين الاغنياء, مع وعد الفقراء بحمايتهم من الاغنياء, ووعد الاغنياء بحمايتهم من الفقراء, واستقطاب كل طرف ضد الآخر.
طموحات القوة لقد عزفت تطهرية محمد عبده عن الانغماس في المحيط السياسي, لانه كما رآه محيط تحكمه الطموحات واقدار القوة, لا قواعد الاخلاق والقانون وهكذا رأى في تسمية السياسة كما رأى من بعده ايلي غيلبرستون (تسمية الدلع لقانون الغاب) او (التجارة المتوحشة التي يخسر فيها التجار الورعون) كما ذكر اللورد جولدين او (الفساد الذي يدمغ كل من يتعرض له) كما افاد جيمس كوبر او (ساحة صراع المصالح) كما رأى وارين جولدبيرج او (النشاط الذي يتعين فيه على المرء ان يحدد خياره فيه بين شرين اثنين, كل منهما شر من الآخر) كما تصور جون مورلي, او (المهنة التي لايمكن ان تكون فيها صادقا مع جميع اصدقائك في كل الاحوال) كما قال مايكل باترين. ان الكثيرين من الشانئين على السياسة كانوا يتصورونها صراعا وتوترا وانقطاعا عن عالم الحقائق والقيم, فما لم تكن هنالك حالة طوارىء معلنة, فليس ثمة سياسة, ولا حاجة الى سياسيين وبما ان السياسة هي التوتر البالغ فبالتالي لا علاج يرتجي من هؤلاء الاطباء المتوترين ويسوء حال هؤلاء الاطباء اكثر واكثر عندما لا يلتزمون بقسم (ابوقراط) فهم ليسوا معالجين اذن وانما تجار غنم عاجل.. وقد كان الرئيس الامريكي الاسبق (رونالد ريجان) في اشد لحظات تألقه الفكاهي والخطابي الخلاب, عندما ذكر بأنه قد صرح في مرة سابقة, بأن السياسة هي ثاني اقدم مهنة في التاريخ واضاف قائلا انه قد نسي حينها ان يذكر بأن مهنة السياسة تشارك المهنة الاولى اشنع صفاتها وخصائصها!! مأساة علم السياسة كانت مأساة علم السياسة انه قد اصبح اشد ولاء للسياسة من السياسيين فاذا كان رونالد ريجان يعترف في لحظات تفوقه ونقائه الروحي, بشناعة مهنته, فإن اسداء مثل ذلك الاعتراف ممنوع بلغة العلم السياسي فالحديث بلغة الاخلاق, في مجال علم السياسة, حديث مضحك يجلب على صاحبه السخرية, والاتهام بضعف المعرفة وعدم التضلع من العلم..والأسوأ من ذلك فإن نزع ذلك العلم عن مجال البداهة والذوق والبصيرة, قد ابعد السياسة عن الحكمة الى حد بعيد. ان الحكمة قد يكتسبها المرء بتجرده وتبصره حتى وان لم يكن على تعمق في البحث والدرس, وقد ينطوي المرء على الخبث والرعونة, ويزداد منهما بقدر ما يزداد من العلم, لذا فإن السياسي (الحكيم) هو افضل دوما من السياسي العالم بلا حكمة ولاتبصر ولاخلق, وهنا نقترب كثيرا من لفظ (السياسة) العربي وهو غير لفظ السياسة الدارج والمترجم عن كلمةpolitics في الانجليزية ومرادفاتها في اللغات الغربية, فالسياسة في اللغة العربية هي مصدر الفعل (ساس) , (يسوس) اي تعهد الشيء بما يصلحه, وذلك عن طريق القيادة والتدبير الهادي الحصيف, فالسياسي في اللغة العربية (الاصلية) هو الانسان الحكيم الثاقب وهذا المعنى كما ترى غير ماتعنيه الكلمة (المترجمة) حيث تعنى الدهاء والتقلب في صراع القوة الذي لايرحم, ولعل افضل تعريف للسياسة بهذا المعنى الاصلي هو تعريف ابو البقاء صاحب الكليات الذي يذكر بأن معناها هو (استصلاح الخلق بارشادهم الى الطريق المنجي في العاجل والآجل, وتدبير المعاش مع العموم, على سنن العدل والاستقامة) وهو معني قريب من التعريف التراثي الاخر القائل بأن السياسة هي (ما كان به الناس اقرب الى الصلاح وابعد عن الفساد) اي هي عملية الاصلاح (الحكيم) لشئون الناس, وهي عملية فن الحكم او فن ادارة الشئون العامة, اذا استخدمنا التعبير الحديث . لقد اصبحت السياسة politics في الغرب علما ولكنها لم تكسب الناس معنى الحكمة الذي ينطوي عليه معناها العربي, ولعله امر ذو مغزى ان نلاحظ ان الذين انشأوا علم السياسة الحديث 90% منهم امريكان, و60% من هؤلاء الامريكان يهود, وهؤلاء افسدوا اوليات هذا العلم فسادا مريعا حيث استنتجوا من ممارسات السياسة الفاسدة قواعد هذا العلم وبهذا ابعدوا هذا العلم عن الفلسفة والاخلاق والمعايير والمثل والقيم زاعمين بأنهم علماء تجريبيون يهمهم تقدير الواقع على علاته what is لا ما ينبغي ان يكون عليه الواقع what ought to be. ان العلم السياسي والممارسة السياسية كذلك, يمكن ان يشملا الجانبين معا: الواقع المرئي, وما يجب ان يكون عليه هذا الواقع ولكن العلماء ضيقوا واسعا باقتصارهم على الجانب الاول وحده واعطوا بذلك مشروعية لاهل السياسة في ممارساتهم, بحيث تعتمد كما هي, ولا ينبري لتقويمها ناقد, معتمدا على موازين ومعايير الفلسفة, والاخلاق, والاعراف, والادبيات, وجلبوا بذلك على مجال السياسة كل الانتقادات البشعة السالفة, وهي غيض من فيض زاخر بالتهكمات والسخريات.
العزوف عن التصويت ان الناس الذين يعيشون حياة ديمقراطية كاملة في الغرب, (الولايات المتحدة كمثال) قد ملوا من ممارسات السياسة, ومن احاديثها, مثلما ملوا من قبل من ممارسات رجال الدين والاستماع لمواعظهم, ويئسوا من اي امل لاصلاح اي من الطرفين, وغدت اولى امارات الانسان الاجتماعي المهذب, الا يتحدث او ينقاش في الدين او السياسة, باعتبارهما مجالين عقيمين عصيين على الاصلاح, واخيرا قل انفعال الناس بالسياسة والمشاركة فيها, ولو بالتصويت, واصبحت الديمقراطية الامريكية اقل الديمقراطيات الغربية في مجال التصويت, اذ ان اقل من نصف من يحق لهم التصويت هم فقط الذين يصوتون, وذلك بالرغم من المحاولات (التطفلية) الكثيرة, لارسال بطاقات التصويت للمواطنين, مع مختلف الخدمات التي ترسلها الدولة للمواطنين, وهي محاولات تأتي مرفقة دائما بالاعتذار من الدولة لمواطنيها عن تدخلها في الشئون الخاصة بهم. هذا المصير القاتم للديمقراطيات الغربية مرده الى الوان الممارسات السياسية السائدة هناك, وهي ممارسات طبعت معنى السياسة في الصميم, واتى علم السياسة بوضعيته المنطقية الكالحة, ليسبغ عليها الصفة العلمية, ويمتنع عن تحليلها او نقدها من منظور قيمي فلسفي اخلاقي. لو شئنا في عالمنا العربي ان نسير في مسار ديمقراطي راشد, فلابد ان نتجنب هذا المنزلق الوبيل, وان كنت لا استسيغ حديث (الايستمولوجيا) ابدا فإنني احبذه في هذا المنحنى, لأن مفهوم كلمة (سياسة) العربي التراثي, افضل واسمى وانبل قيميا بكثير, من مفهوم ذات الكلمة بالانجليزية فالسياسة في تراثنا هي الحكمة والحصافة, لا الانتهازية في صراع القوى وهكذا فإذا شرعنا في مشوار تنمية سياسية حقيقية, فلابد ان نبدأ من مفهوم عربي لا غربي للكلمة.
بقلم: د.محمد وقيع الله
بداية لنعرف السياسة وما تعني ...
ورد في معجم محيط المحيط :
ساس فلان الدوابَّ يسُوسها سِيَاسةً قام عليها وراضها وأَدَّبها والسلطان والوالي الرعيَّة تولَّى أمرها ودبَّرها وأحسن النظر إليها ويقال فلانٌ مجرَّبٌ قد ساس وسِيسَ عليهِ أي أَدَّب وأُدِّب.
السِّيَاسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجيّ في العاجل والآجل وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظاهرهم وباطنهم ومن السلاطين والملوك على كلٍّ منهم في ظاهرهم لا غير ومن العلماءِ وَرَثة الأنبياءِ على الخاصة في باطنهم لا غير.
والسياسة المدنيَّة تدبير المعاش مع العموم على سَنَن العدل والاستقامة وهي من أقسام الحكمة العملية وتُسمَّى بالحكمة السياسية وعلم السياسة وسياسة الملك والحكمة المدنيَّة.
=========
رأيت أنه من المناسب أن أنقل مقالة مهمة و مفيدة وردت في صحيفة البيان قبل سنتين . هذه المقالة هي التى أقتبست منها عنوان هذه المشاركة :
لماذا يكرهون (السياسة) في الغرب؟ جذور المعنى.. وترسبات الممارسة
لماذا.. يختلف الناس اختلافا جذريا في النظر الى السياسة, وفي اتخاذ مواقفهم منها ومن ممارسيها, ومدرسيها على السواء؟ لان البعض ينظر الى واقع الممارسات السياسية في شتى المجتمعات, ويستخرج احكامه منها, بينما البعض الاخر ينظر الى نظريات السياسة وغاياتها ويستنبط تصوراته منها.
ازدراء السياسة ان العمل السياسي هو اكثر نشاط انساني يتسم بالاثارة, وبالآثار بعيدة المدى, ولذا يرمقه الناس باهتمام شديد, والمناصب السياسية هي اشد المناصب اغراء, ولذا يتنافس الناس عليها باستماتة منقطعة النظير, وفي غمار العمل السياسي تهدر اكثر المثل التي يرعاها الناس ويقدسونها, ولذا ينظر البعض الى ممارسات العمل السياسي بمنتهى الاحتقار. ودعنا بدل الاجمال ننظر الى بعض الامثلة ثم نخضعها لبعض المقارنة والتحليل ولنبدأ بهؤلاء المتشائمين المتقززين من ممارسات العمل السياسي, والذين اختلقوا ابشع التعريفات واشدها استهزاء وسخرية بالسياسة والسياسيين, وسخروا حتى من تصريفات الكلمة اللغوية وتعوذوا منها كما شاع من مقولة الامام الاكبر محمد عبده رضوان الله عليه. ان مما نفر محمد عبده عن العمل السياسي هو حسه الانساني المرهف فقد كان ـ كما قال ـ يحس في روحه انفاس القديسين, ولكنه لما خاض معامع السياسة على خطى استاذه جمال الدين الافغاني تأذت روحه وتمزقت في الصراع الضاري داخل مؤسسة السياسة, التي رأها تتخصص في انتاج الكراهية والحقد, وتجاهل حاجات الناس الحقيقية, التي يطلبون من السياسيين تحقيقها فالسياسة العملية, كما رآها محمد عبده, تلك التي عبر عنها هنري آدمز (عملية تجاهل الحقائق الموضوعية والسعي لانتاج حقائق اخرى من قبيل الوهم) , ولما كان محمد عبده يعد عمره بالثواني, ويشيع منهج (ديكارت) في التحقيق والتدقيق فإنه قد سحب نفسه بعيدا الى مجال عملي اجدى ـ كما رآه ـ هو مجال التعليم, فالتعليم اضافة الى روح الانسان, وتنمية لها, بينما رأى في السياسة عملية استلاب كبرى للذات. في هذا المنحى, كان جاك آفيرى يقرر بأن غاية العمل السياسي هي (اخضاع الناس) وان ذلك يتم عادة عن طريق (الحرب) , فالسياسة كما قال ماوتس تونج هي : (الحرب التي لاتسفك فيها الدماء) فهي حرب لطيفة ناعمة تعتمد على الدهاء, وكما يقول اوسكار اميرنجر فإن السياسة هي الفن السلوكي اللبق الذي يقوم على جلب اصوات المواطنين الفقراء, وجلب التمويل للحملات الانتخابية من المواطنين الاغنياء, مع وعد الفقراء بحمايتهم من الاغنياء, ووعد الاغنياء بحمايتهم من الفقراء, واستقطاب كل طرف ضد الآخر.
طموحات القوة لقد عزفت تطهرية محمد عبده عن الانغماس في المحيط السياسي, لانه كما رآه محيط تحكمه الطموحات واقدار القوة, لا قواعد الاخلاق والقانون وهكذا رأى في تسمية السياسة كما رأى من بعده ايلي غيلبرستون (تسمية الدلع لقانون الغاب) او (التجارة المتوحشة التي يخسر فيها التجار الورعون) كما ذكر اللورد جولدين او (الفساد الذي يدمغ كل من يتعرض له) كما افاد جيمس كوبر او (ساحة صراع المصالح) كما رأى وارين جولدبيرج او (النشاط الذي يتعين فيه على المرء ان يحدد خياره فيه بين شرين اثنين, كل منهما شر من الآخر) كما تصور جون مورلي, او (المهنة التي لايمكن ان تكون فيها صادقا مع جميع اصدقائك في كل الاحوال) كما قال مايكل باترين. ان الكثيرين من الشانئين على السياسة كانوا يتصورونها صراعا وتوترا وانقطاعا عن عالم الحقائق والقيم, فما لم تكن هنالك حالة طوارىء معلنة, فليس ثمة سياسة, ولا حاجة الى سياسيين وبما ان السياسة هي التوتر البالغ فبالتالي لا علاج يرتجي من هؤلاء الاطباء المتوترين ويسوء حال هؤلاء الاطباء اكثر واكثر عندما لا يلتزمون بقسم (ابوقراط) فهم ليسوا معالجين اذن وانما تجار غنم عاجل.. وقد كان الرئيس الامريكي الاسبق (رونالد ريجان) في اشد لحظات تألقه الفكاهي والخطابي الخلاب, عندما ذكر بأنه قد صرح في مرة سابقة, بأن السياسة هي ثاني اقدم مهنة في التاريخ واضاف قائلا انه قد نسي حينها ان يذكر بأن مهنة السياسة تشارك المهنة الاولى اشنع صفاتها وخصائصها!! مأساة علم السياسة كانت مأساة علم السياسة انه قد اصبح اشد ولاء للسياسة من السياسيين فاذا كان رونالد ريجان يعترف في لحظات تفوقه ونقائه الروحي, بشناعة مهنته, فإن اسداء مثل ذلك الاعتراف ممنوع بلغة العلم السياسي فالحديث بلغة الاخلاق, في مجال علم السياسة, حديث مضحك يجلب على صاحبه السخرية, والاتهام بضعف المعرفة وعدم التضلع من العلم..والأسوأ من ذلك فإن نزع ذلك العلم عن مجال البداهة والذوق والبصيرة, قد ابعد السياسة عن الحكمة الى حد بعيد. ان الحكمة قد يكتسبها المرء بتجرده وتبصره حتى وان لم يكن على تعمق في البحث والدرس, وقد ينطوي المرء على الخبث والرعونة, ويزداد منهما بقدر ما يزداد من العلم, لذا فإن السياسي (الحكيم) هو افضل دوما من السياسي العالم بلا حكمة ولاتبصر ولاخلق, وهنا نقترب كثيرا من لفظ (السياسة) العربي وهو غير لفظ السياسة الدارج والمترجم عن كلمةpolitics في الانجليزية ومرادفاتها في اللغات الغربية, فالسياسة في اللغة العربية هي مصدر الفعل (ساس) , (يسوس) اي تعهد الشيء بما يصلحه, وذلك عن طريق القيادة والتدبير الهادي الحصيف, فالسياسي في اللغة العربية (الاصلية) هو الانسان الحكيم الثاقب وهذا المعنى كما ترى غير ماتعنيه الكلمة (المترجمة) حيث تعنى الدهاء والتقلب في صراع القوة الذي لايرحم, ولعل افضل تعريف للسياسة بهذا المعنى الاصلي هو تعريف ابو البقاء صاحب الكليات الذي يذكر بأن معناها هو (استصلاح الخلق بارشادهم الى الطريق المنجي في العاجل والآجل, وتدبير المعاش مع العموم, على سنن العدل والاستقامة) وهو معني قريب من التعريف التراثي الاخر القائل بأن السياسة هي (ما كان به الناس اقرب الى الصلاح وابعد عن الفساد) اي هي عملية الاصلاح (الحكيم) لشئون الناس, وهي عملية فن الحكم او فن ادارة الشئون العامة, اذا استخدمنا التعبير الحديث . لقد اصبحت السياسة politics في الغرب علما ولكنها لم تكسب الناس معنى الحكمة الذي ينطوي عليه معناها العربي, ولعله امر ذو مغزى ان نلاحظ ان الذين انشأوا علم السياسة الحديث 90% منهم امريكان, و60% من هؤلاء الامريكان يهود, وهؤلاء افسدوا اوليات هذا العلم فسادا مريعا حيث استنتجوا من ممارسات السياسة الفاسدة قواعد هذا العلم وبهذا ابعدوا هذا العلم عن الفلسفة والاخلاق والمعايير والمثل والقيم زاعمين بأنهم علماء تجريبيون يهمهم تقدير الواقع على علاته what is لا ما ينبغي ان يكون عليه الواقع what ought to be. ان العلم السياسي والممارسة السياسية كذلك, يمكن ان يشملا الجانبين معا: الواقع المرئي, وما يجب ان يكون عليه هذا الواقع ولكن العلماء ضيقوا واسعا باقتصارهم على الجانب الاول وحده واعطوا بذلك مشروعية لاهل السياسة في ممارساتهم, بحيث تعتمد كما هي, ولا ينبري لتقويمها ناقد, معتمدا على موازين ومعايير الفلسفة, والاخلاق, والاعراف, والادبيات, وجلبوا بذلك على مجال السياسة كل الانتقادات البشعة السالفة, وهي غيض من فيض زاخر بالتهكمات والسخريات.
العزوف عن التصويت ان الناس الذين يعيشون حياة ديمقراطية كاملة في الغرب, (الولايات المتحدة كمثال) قد ملوا من ممارسات السياسة, ومن احاديثها, مثلما ملوا من قبل من ممارسات رجال الدين والاستماع لمواعظهم, ويئسوا من اي امل لاصلاح اي من الطرفين, وغدت اولى امارات الانسان الاجتماعي المهذب, الا يتحدث او ينقاش في الدين او السياسة, باعتبارهما مجالين عقيمين عصيين على الاصلاح, واخيرا قل انفعال الناس بالسياسة والمشاركة فيها, ولو بالتصويت, واصبحت الديمقراطية الامريكية اقل الديمقراطيات الغربية في مجال التصويت, اذ ان اقل من نصف من يحق لهم التصويت هم فقط الذين يصوتون, وذلك بالرغم من المحاولات (التطفلية) الكثيرة, لارسال بطاقات التصويت للمواطنين, مع مختلف الخدمات التي ترسلها الدولة للمواطنين, وهي محاولات تأتي مرفقة دائما بالاعتذار من الدولة لمواطنيها عن تدخلها في الشئون الخاصة بهم. هذا المصير القاتم للديمقراطيات الغربية مرده الى الوان الممارسات السياسية السائدة هناك, وهي ممارسات طبعت معنى السياسة في الصميم, واتى علم السياسة بوضعيته المنطقية الكالحة, ليسبغ عليها الصفة العلمية, ويمتنع عن تحليلها او نقدها من منظور قيمي فلسفي اخلاقي. لو شئنا في عالمنا العربي ان نسير في مسار ديمقراطي راشد, فلابد ان نتجنب هذا المنزلق الوبيل, وان كنت لا استسيغ حديث (الايستمولوجيا) ابدا فإنني احبذه في هذا المنحنى, لأن مفهوم كلمة (سياسة) العربي التراثي, افضل واسمى وانبل قيميا بكثير, من مفهوم ذات الكلمة بالانجليزية فالسياسة في تراثنا هي الحكمة والحصافة, لا الانتهازية في صراع القوى وهكذا فإذا شرعنا في مشوار تنمية سياسية حقيقية, فلابد ان نبدأ من مفهوم عربي لا غربي للكلمة.
بقلم: د.محمد وقيع الله