أبو الشباب
13-06-2004, 04:09 PM
الخروج من دائرة التستر إلى فضاءات الانكشاف
نشر كاميرات مراقبة عبر المدن السعودية
الإمكانية الوحيدة لمحاربة إرهاب "القناصة"
الأحد 13 يونيو 2004 11:24
"إيلاف" من الرياض: عمليات الاغتيال الفردية التي نهجها الإرهاب في السعودية، خلال الأسابيع الماضية، انتقل إلى مرحلة جديدة هي الخطف، مطبقاً الاستراتيجية ذاتها التي يمارسها مقاتلو العراق ضد الاحتلال الأميركي.
هذه الممارسة لا يمكن السيطرة عليها أمنياً لأن ميدانها الشارع والسوق والأحياء، ولأن نطاقها ينتشر حتى يلامس الحدود السعودية من كل الجهات، ولا حل لها إلا ببناء مدن معزولة بالكامل ليقطنها الأجانب، أو مغادرتهم البلد والعودة إلى ديارهم.
ومع أن هذين الخيارين قد يحلان مشكلة اغتيال الغربيين، إلا أنهما لن يوقفا الإرهاب الذي سيبحث حينها عن شخصيات سعودية يدرجها ضمن العلمانية، ويلبسها أردية الكفر والشرك والتآمر وكل التهم الموجبة لذبحهم، والقضاء عليهم تطهيراً لجزيرة العرب، كما يسمونها، من المشركين.
لقد أُثخنت المنظومة الإرهابية، في السعودية، بالجراح، وضاقت بها السبل، وكادت تلفظ أنفاسها، لكنها سعياً إلى استعادة خيط الحياة، وتملصاً من حالة الاحتضار، أفلتت عناصرها لاقتناص أفراد عزل، مجردين من الحماية، يساكنون المواطنين أحياءهم، ويماشونهم في الشارع، ويشاركونهم التسوق. هؤلاء كانوا أهدافاً سهلة للقناصة الذين نشطوا في الأيام القليلة الماضية بشكل لافت، وحققوا نجاحاً في مهمة لا تتطلب مهارة بل كل مستلزماتها المختلة والغدر، إلا أن محاصرتها والقضاء عليها، وإيقاف مدها وانتشارها هو ما يتطلب مهارة فائقة وتحركاً سريعين.
يبدو من استقراء معطيات عمليات الاغتيال التي شهدتها الرياض، أنها لم تكن عشوائية أو ارتجالية، بل سبقها رصد ومتابعة ومراقبة للضحية المحتملة، يؤكد هذا عملية الاختطاف التي لم يكن ممكناً حدوثها تلقائياً نتيجة انتقاء الشخص والموقع.
وبشكل أكثر تحديداً فإن عملية اغتيال الأميركيين ، ومحاولة قتل عسكريين أميركيين جنوبي الرياض، تظهر من خلال تفاصيلها ومواقع ومواعيد تنفيذها أن المخططين راقبوا الضحايا جيداً، ولعلهم كانوا يرصدون الموقع على مدار أربع وعشرين ساعة، مستفيدين من كونهم يتحركون داخل النطاق السكاني، وضمن الحركة الاعتيادية لأهل الحي المقيم فيه الشخص المستهدف. اللافت أن السعوديين بطبعهم فضوليون، ولاشك أن ظهور شخص غريب في الحي وتحركه ضمن دائرة محددة لساعات، سيثير تساؤل بعض أهل الحي، على الأقل من باب الريبة في أنه لص أو يحاول التحرش بالنساء، مما يستدعي إبلاغ هيئة الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو سؤال الشخص عن سبب تجواله في الحي، مالم يلجأ المراقبون من الإرهابيين إلى عمليات التمويه مثل ارتداء ملابس عمال نظافة، أو يستأجروا منزلاً قريباً من الموقع يتخذونه مرصداً. ومن المؤكد أن شخصاً واحداً من الفضوليين شك في الحركة المريبة للشخص الغريب على حيه، لكنه ابتعد عنه، وفضّل تجاهله ظناً أنه مباحث.
من المحتمل أن كل حي شهد حادثة اغتيال، تقدم بعض سكانه للإفادة عن ملاحظاتهم لسلوكيات مريبة سبقت الجريمة، إلا أن هذه الإفادات قد تسهم في القبض على الجناة أو بعضهم لكنها لن توقف المد لأنها لاحقة للحدث وجزئية الطابع.
الحل الوحيد هو المواجهة الحادة، واللجوء إلى نشر كاميرات مراقبة تغطي البلد كله تقريباً، أسوة ببريطانيا التي نشرت أربع ملايين كاميرا مراقبة تحسباً لهجمات إرهابية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية والنمسا وألمانيا وغيرها.
فائدة الكاميرا أنها تجعل البلد ساحة ومكشوفة مايجعلها، تالياً، مرصودة في أدق تفاصيلها بحييث يصبح من المؤكد رصد السيارات المتورطة، وملاحقة مساراتها، ويصبح من المحتمل اصطياد ملامح الجناة أنفسهم.
كما هو الحال في بريطانيا، تلتزم كل مؤسسة عامة أو خاصة بوضع كاميرا مراقبة خارجية أو أكثر، تعمل على مدار الساعة، ويتم الاحتفاظ بجميع المواد المسجلة لمدة معينة قبل اتلافها. وهو مايجب الشروع فيه فوراً، يضاف إلى ذلك وضع كاميرات على سطوح المساجد أو بالاستفادة من المنائر خصوصاً أن المساجد تغطي الرياض بشكل ممتاز من حيث انتشارها وتوزيعها الجغرافي.
ولتغطية الثغرات الأخرى يتم تشجيع المواطنين على وضع كاميرات أمام مداخل منازلهم، وتحديداً في الأحياء التي يقطنها غربيون.
هذه الشبكة التلفزيونية، رغم أنها تنتهك حالة التستر الاجتماعية التقليدية المهيمنة، وتؤذي طمأنينة الناس في نشاطهم اليومي، وتصبغ سلوكهم، في الشارع، باداء تلفزيوني متكلف، إلا أنها تكمل دائرة الحصار على النشاط الإرهابي، عدا كونها تقلص حالات سرقات المنازل والسيارات، وأشكال الجريمة الأخرى.
واستكمالاً لحالة الشفافية، أو بالأصح استحكام وضعية الرقابة الشمولية، لابد من المباشرة في منع تضليل السيارات، وإعادة الزجاج الوضوح إلى الملون، مع تعويض المتضررين، حتى لاتكون السيارات المضللة موقعاً مثالياً للقناصة.
هذا الانكشاف الشامل لن يكون حلاً للإرهاب فقط بل هو مؤشر على القدرة على الانكشاف والوضوح، ويفتح فضاءات مستقبلية من الصعب التنبوء بملامحها.
نشر كاميرات مراقبة عبر المدن السعودية
الإمكانية الوحيدة لمحاربة إرهاب "القناصة"
الأحد 13 يونيو 2004 11:24
"إيلاف" من الرياض: عمليات الاغتيال الفردية التي نهجها الإرهاب في السعودية، خلال الأسابيع الماضية، انتقل إلى مرحلة جديدة هي الخطف، مطبقاً الاستراتيجية ذاتها التي يمارسها مقاتلو العراق ضد الاحتلال الأميركي.
هذه الممارسة لا يمكن السيطرة عليها أمنياً لأن ميدانها الشارع والسوق والأحياء، ولأن نطاقها ينتشر حتى يلامس الحدود السعودية من كل الجهات، ولا حل لها إلا ببناء مدن معزولة بالكامل ليقطنها الأجانب، أو مغادرتهم البلد والعودة إلى ديارهم.
ومع أن هذين الخيارين قد يحلان مشكلة اغتيال الغربيين، إلا أنهما لن يوقفا الإرهاب الذي سيبحث حينها عن شخصيات سعودية يدرجها ضمن العلمانية، ويلبسها أردية الكفر والشرك والتآمر وكل التهم الموجبة لذبحهم، والقضاء عليهم تطهيراً لجزيرة العرب، كما يسمونها، من المشركين.
لقد أُثخنت المنظومة الإرهابية، في السعودية، بالجراح، وضاقت بها السبل، وكادت تلفظ أنفاسها، لكنها سعياً إلى استعادة خيط الحياة، وتملصاً من حالة الاحتضار، أفلتت عناصرها لاقتناص أفراد عزل، مجردين من الحماية، يساكنون المواطنين أحياءهم، ويماشونهم في الشارع، ويشاركونهم التسوق. هؤلاء كانوا أهدافاً سهلة للقناصة الذين نشطوا في الأيام القليلة الماضية بشكل لافت، وحققوا نجاحاً في مهمة لا تتطلب مهارة بل كل مستلزماتها المختلة والغدر، إلا أن محاصرتها والقضاء عليها، وإيقاف مدها وانتشارها هو ما يتطلب مهارة فائقة وتحركاً سريعين.
يبدو من استقراء معطيات عمليات الاغتيال التي شهدتها الرياض، أنها لم تكن عشوائية أو ارتجالية، بل سبقها رصد ومتابعة ومراقبة للضحية المحتملة، يؤكد هذا عملية الاختطاف التي لم يكن ممكناً حدوثها تلقائياً نتيجة انتقاء الشخص والموقع.
وبشكل أكثر تحديداً فإن عملية اغتيال الأميركيين ، ومحاولة قتل عسكريين أميركيين جنوبي الرياض، تظهر من خلال تفاصيلها ومواقع ومواعيد تنفيذها أن المخططين راقبوا الضحايا جيداً، ولعلهم كانوا يرصدون الموقع على مدار أربع وعشرين ساعة، مستفيدين من كونهم يتحركون داخل النطاق السكاني، وضمن الحركة الاعتيادية لأهل الحي المقيم فيه الشخص المستهدف. اللافت أن السعوديين بطبعهم فضوليون، ولاشك أن ظهور شخص غريب في الحي وتحركه ضمن دائرة محددة لساعات، سيثير تساؤل بعض أهل الحي، على الأقل من باب الريبة في أنه لص أو يحاول التحرش بالنساء، مما يستدعي إبلاغ هيئة الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، أو سؤال الشخص عن سبب تجواله في الحي، مالم يلجأ المراقبون من الإرهابيين إلى عمليات التمويه مثل ارتداء ملابس عمال نظافة، أو يستأجروا منزلاً قريباً من الموقع يتخذونه مرصداً. ومن المؤكد أن شخصاً واحداً من الفضوليين شك في الحركة المريبة للشخص الغريب على حيه، لكنه ابتعد عنه، وفضّل تجاهله ظناً أنه مباحث.
من المحتمل أن كل حي شهد حادثة اغتيال، تقدم بعض سكانه للإفادة عن ملاحظاتهم لسلوكيات مريبة سبقت الجريمة، إلا أن هذه الإفادات قد تسهم في القبض على الجناة أو بعضهم لكنها لن توقف المد لأنها لاحقة للحدث وجزئية الطابع.
الحل الوحيد هو المواجهة الحادة، واللجوء إلى نشر كاميرات مراقبة تغطي البلد كله تقريباً، أسوة ببريطانيا التي نشرت أربع ملايين كاميرا مراقبة تحسباً لهجمات إرهابية، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية والنمسا وألمانيا وغيرها.
فائدة الكاميرا أنها تجعل البلد ساحة ومكشوفة مايجعلها، تالياً، مرصودة في أدق تفاصيلها بحييث يصبح من المؤكد رصد السيارات المتورطة، وملاحقة مساراتها، ويصبح من المحتمل اصطياد ملامح الجناة أنفسهم.
كما هو الحال في بريطانيا، تلتزم كل مؤسسة عامة أو خاصة بوضع كاميرا مراقبة خارجية أو أكثر، تعمل على مدار الساعة، ويتم الاحتفاظ بجميع المواد المسجلة لمدة معينة قبل اتلافها. وهو مايجب الشروع فيه فوراً، يضاف إلى ذلك وضع كاميرات على سطوح المساجد أو بالاستفادة من المنائر خصوصاً أن المساجد تغطي الرياض بشكل ممتاز من حيث انتشارها وتوزيعها الجغرافي.
ولتغطية الثغرات الأخرى يتم تشجيع المواطنين على وضع كاميرات أمام مداخل منازلهم، وتحديداً في الأحياء التي يقطنها غربيون.
هذه الشبكة التلفزيونية، رغم أنها تنتهك حالة التستر الاجتماعية التقليدية المهيمنة، وتؤذي طمأنينة الناس في نشاطهم اليومي، وتصبغ سلوكهم، في الشارع، باداء تلفزيوني متكلف، إلا أنها تكمل دائرة الحصار على النشاط الإرهابي، عدا كونها تقلص حالات سرقات المنازل والسيارات، وأشكال الجريمة الأخرى.
واستكمالاً لحالة الشفافية، أو بالأصح استحكام وضعية الرقابة الشمولية، لابد من المباشرة في منع تضليل السيارات، وإعادة الزجاج الوضوح إلى الملون، مع تعويض المتضررين، حتى لاتكون السيارات المضللة موقعاً مثالياً للقناصة.
هذا الانكشاف الشامل لن يكون حلاً للإرهاب فقط بل هو مؤشر على القدرة على الانكشاف والوضوح، ويفتح فضاءات مستقبلية من الصعب التنبوء بملامحها.