المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اميه المثقفين


صوت السهارى
22-10-2001, 08:53 PM
السلام عليكم
حين نناقش أزمه القراءه او ازمه الكتاب في العالم العربي نذهب مباشره الى تقديم ارقام عن نسبه الاميه العاليه حيث لا تقرأ الناس ولا تكتب . ويجري الحديث ايضا عن منافسه وسائل الاتصال الحديثه للكتاب .
وغالبا ما نقرأ دراسات عن تهديد التلفزيون للقراءه او أثر الانترنت على انحسار القراءه وفي معارض الكتب يجري الحديث عن ارتفاع اسعار الكتب بوصفه سببا لانصراف الناس عن شرائها ولكن الواضح ان هذه الاسباب اذا ما استثنينا مسأله الاميه هي اسباب وهميه ...

لكن الامر الذي لم ينل العنايه الكافيه في غمره الحديث عن ازمه القراءه هو اميه المثقفين ونأمل ألا ينظر الى هذا المفهوم باستغراب انطلاقا من الانطباع العاجل بان المثقف لايمكن ان يكون أميا . نعم هناك اميه حقيقيه لشريحه واسعه من المثقفين العرب وهذه الاميه تمتد لتشكل حتى الشريحه الاوعى من الذين يشتغلون بالفكر فاين تكمن هذه الاميه ؟؟

تكمن في ان المثقف في مرحله من مراحله عندما يجد نفسه وقد تحقق وان مكانته قد كرست يكف عن تطوير معارفه بالمزيد من المتابعه والاطلاع والبحث ومتابعه الجديد ان هذا يفسر لنا مصدر تلك الصدمه التي تنتابنا حين نحضر محاضره لاسم معروف في دنيا الثقافه كنا قد قرانا له مؤلفات ربما تكون قد اسهمت في يوم ما في تشكيل معارفنا فنفاجأ بأن لا جديد لديه ليقوله وانه يظل يدور في حلقه مفرغه .
والحق ان هؤلاء المثقفين يستمدون جانبا من وجاهتهم من ضعف الجدل الفكري والثقافي الذي يدفع نحو المثابره والمنافسه في البحث والتقصي ومتابعه الجديد المعرفي لا بل والارتقاء بمنهج القراءه والتحليل نفسه كي يكون أداه فعاله في فهم واقع متحرك متغير ليس بالامكان فهمه .
وهذا عن كبار المثقفين ....

فماذا عن صغارهم ؟؟؟؟؟؟؟

ان اميه المثقفين هي مأزق حقيقي في الثقافه العربية وحصتنا في الخليج من هذا المأزق ليست قليلة وهي تتطلب افصاحا و شرحا حتى نعيد لاسم المثقف وهجه و مكانته ونحميه من الزيف ومن الوجاهة الكاذبة.


اختكم صوت السهارى

الفانوس
22-10-2001, 09:41 PM
أختي صوت ... شكرا للطرح الرائع وشكرا لهذا الفكر النير ... ولتعلمي أنك قد لامست الحقيقة بل أصبت كبدها ... إسمحي لي أيتها العزيزة أن لا نصف هولاء بالمثقفين ، فهم أقرب إلى باعة الثقافة من أن يوصفوا بالثقافة .. نعم ألست ترينهم يتاجرون بثقافتهم التي اكل عليها الدهر وشرب ، فيتزلفون بها إلى أصحاب المناصب ، ويبتاعون بها تذاكر الدخول إلى منتديات علية القوم ، ثم ترينهم يتراقصون كالدمى يتنقلون من مسرح إلى مسرح ومن قاعة إلى أخرى يلوكون نفس العبارات ويرددون نفس المواقف ، ومن ثم فلم يعد لديهم الوقت الكافي للاستزادة من العلم والمعرفة .. ولكن هل هم الملومون بمفردهم أم اننا نشاركهم المسئولية فلولم يجدوا من يطبل لهم ولولم يجدوا من يمجد أفعالهم مجاملة وعن غير قناعة لما استمروا في غثائهم .. أخيرا أعتقد أن هذا الموضوع بحاجة إلى دراسة مستفيضة وقد تكون لي عودة إليه إن سنحت الفرصة ، لكني أشد على يدك وآمل أن تتحفينا بالمزيد من هذه الموضوعات الجادة ، والله الهادي

صبياني
24-10-2001, 04:49 AM
موضوع جيد للغاية أشكر الأخت صوت السهارى لطرحه وأشكر أخي فانوس لتعليقه القيم ...

كنت قد قرأت مقالا في الشرق الأوسط عن المثقف العربي أتمنى أن تتطلعوا عليه فهو مليء بنقط مهمة لها علاقة بموضوع النقاش ونقط أخرى أيضا قد نناقشها لاحقا .. أما عن تعليقي أنا فإن شاء الله سيتبع لاحقا ...

=====================================
المثقف العربي بين سندان الغياب.. ومطرقة التغييب

إكرام عبدي *


سحابات إنهاك سياسي واقتصادي واجتماعي ملبدة في سماء وطننا العربي. أزمة قيم تبعث على الاكتئاب. قابيل يقتل هابيل. عولمة تنهشنا. مجتمعات تئن تحت وطأة الفساد، والابتزاز، والغنى الفاحش وغير المشروع، والمجاملات السطحية والنفاق الاجتماعي. أزمة ثقة في كل ما يحوم حولنا، في المؤسسات والقيادات والحكومات، حالة تبخيس للذات مقابل تفخيم وتعظيم للآخر. خواء روحي رهيب. شباب يئن من ثقل سيزيفي(اجتماعي ونفسي واقتصادي وثقافي..) أثقل كاهله، تطارده لعنة البطالة والمخدرات والإيدز والفقر، كما تطارد الأقدار القاسية أبطال التراجيديا الاغريقية، يهدهد حلما يصرخ من انسداد الأفق، تبخرت كل آماله في مستقبل أفضل، فتراه، هنا، يقدم نفسه، وعن طواعية، قربانا للبحر، وهو الذي كان يحلم بمعانقة الفردوس المفقود، هناك وراء البحر. وطن عربي يستغيث ملء أنفاسه ولا يجيب إلا الصدى.
والمثقف العربي في خلوته الخاصة، إما مجبر لإرغامات حاصرته واستفزته، أوهنت حيوية فعله الثقافي، فغاب غيابا قسريا، وبرر غيابه في كونه لا يود أن يكون «المثقف المزيف»، على حد تعبير سارتر، بل إنه آثر التسلل بديبلوماسية من قيد الايديولوجيا الخانق، على أن يكون تابعا بائسا للامبراطوريات السياسية الباذخة. كان يود أن يكون المثقف الحر والبعيد عن كل خضوع وخنوع وإذعان وامتثالية، ولا يقدم فروض الطاعة والولاء إلا لشمس الحقيقة. كان يؤمن إيمانا راسخا بأن الحياة التي لا يتم بحثها واستكشافها بقلق وأسئلة حارقة، ودرء لكل جاهزية ووثوقية وجمود، هي حياة غير جديرة بالعيش حسب سقراط. لم يكن يطمح أن يكون «ميكيافيلي الأمير»، ولم يسع للكراسي المريحة والمناصب القيادية، لم يشأ أن يكون من «وعاظ السلطان»، يقدم الوصفات الناجعة لحاكميه، يتملق الجماهير ويجري وراء أوهام الشهرة، كان يأمل أن يكون الحامل المفترض للوعي الاجتماعي، الدائم التفكير، التواق إلى الجمال والنور، الخانق لذلك الوحش الجامح القابع في أغواره، المتلهف للسلطة والسوط.
وأمام ثنائية ما هو كائن وما يؤمل أن يكون، أو ثنائية «السأم» و«المثل الأعلى» التي عاشها بودلير في أزهاره الأليمة، يتألم هذا المثقف وهو يتأمل واقعا موبوءا، بما هو واقع ينوء بعوادي الدهر، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وبهدوء يلوذ إلى الصمت، هذا الصمت الذي أعده صمتا ناطقا، بل هو «بلاغة الصمت»، بلاغة تقول «لا»، تستهجن واقعا قميئا، تستنكر تبعية عمياء لسلطة السياسة. وأنا بموقفي هذا قد اصطدم بنعوت قدحية لهذه «العزلة» عند البعض، فهي عندهم هروب، جبن ثقافي، «خيانة المثقف»، «نهاية المثقف»، احتضار المثقف في مشهد جنائزي يعلن الأفول، انقراض هذا الكائن الغريب الذي غدا أشبه بذكرى باهتة، تملصه من المسؤولية، ضعف جسارته السياسية والثقافية على أساس أن مهمة المثقف قد تصل إلى حد الاستشهاد. وإيمانه العميق بقناعاته وإخلاصه للمجتمع يجعله يخاطر ويتحمل بصبر وأناة أي هجوم واستنكار وتجريح من الآخرين فيكون مثل سارتر الذي دافع عن استقلال الجزائر ووقف مع برتراند رسل ضد الحرب الاميركية في فيتنام. بل على المثقف أن يكون تلك «الفزاعة» التي تذهب النوم من عيون القائمين بزمام الأمور، أن «يتقفى» خطاهم الحثيثة. وبين الفينة والأخرى، عليه أن يشهر علامة «قف» أمامهم، مسكونا، في ذلك، بهاجس النقد الذي لا ينشد إلا الحقيقة ولا يزيغ عن سلطة العقل وأن لا يهيمن عليه «العقل الخطابي الذي لا يريد إقناع أحد وإنما صناعة الآراء وفبركة الجماهير» (عبد السلام بنعبدلاوي في «ميثولوجيا الواقع»).
مثقف آخر غائب وليس مغيبا، في «عزلته الذهنية» على حد تعبير تركي الحمد في كتابه «الثقافة العربية في عصر العولمة»، لم يشأ أن يحطم جدار برلين وآثر الاحتفاظ بالمسافة بينه وبين المجتمع، لم يشأ التلاقي به أو الذوبان في كيانه وظل ببدلته الرسمية، مستمتعا بترفعه، ومتلذذا بنرجسيته، ومنشغلا بأبحاثه وتنظيراته، يعمل على إعداد الأوراق والمحاضرات، مع العلم أن هذه المقالة ستظل واهنة وباهتة ما لم يضخ فيها من دم مجتمعه، والكتاب سيبقى معتما ما لم يستنر بأضواء الشارع العمومي، هذا المثقف الذي يظن أنه إذا ارتاد المقاهي والنوادي والجمعيات ربما سيفقد «نخبويته» أو «أنتلجنسياه»، في حين أن هذه الفضاءات قد تصبح، أحيانا، فضاءات للمكاشفة بامتياز، فضاءات شعبوية نستطيع أن ننصت داخلها، بعمق، للنبض الحقيقي للمجتمع، ففي المقاهي، مثلا، يختلط الحديث، أحيانا، عن السياسة والانتخابات والبطالة والأمراض وغلاء فواتير الماء والكهرباء (...) بدخان السجائر أو برشفة قهوة أو شاي منعنع في جو حميمي مع إحساس بالحيطة والحذر، وبين الفينة والأخرى يرفع المتحدث رأسه للتأكد من عدم وجود «رقيب» ومن يعلم فـ«للجدار آذان». كتب جوزيف أديسون في «هدف المشاهد»: «قيل عن سقراط إنه أنزل الفلسفة من السماء وأسكنها بين الناس ولدي طموح لأن أقول الشيء ذاته عن نفسي، فقد أخرجت الفلسفة من المعازل والمكتبات والمدارس والجامعات، وأسكنتها النوادي والجمعيات وموائد الشاي والمقاهي».
فكل مثقف يترفع عن رؤية صافية ورحبة للواقع، هو مثقف الغياب الإرادي الاختياري، لا القسري، مثقف يرضى بدور المختص وبائع الخدمات، مثقف يتنقل من مؤتمر لآخر ليوزع الشعارات ويقيم كرنفال الخطابات وينتظر ما يجزلونه من عطاء، مع «أن الكتابات ـ حسب جون ستيوارت ميل ـ التي يستطيع عن طريقها المرء أن يعيش ليست تلك التي يمكنها هي نفسها أن تعيش»، فالمثقف الذي يسبغ على كتاباته طابعا تجاريا محضا ويتعامل معها بمنطق الربح والخسارة هو مثقف لا يعول عليه.
إن حديثي عن المثقف المغيب والمثقف الغائب ليس حديثا حسن النيات، بل هو مسلك غير مباشر للحديث عن مثقف آخر ننشده وسنظل ننشده، مثقف يعلن انبلاج فجر «اليوتوبيا» التي أعلنوا عن نهايتها هي أيضا، إلى جانب نهايات عديدة.. مثقف يستجيب للتحديات الراهنة التي تفرضها روح العصر، ويعيد ترتيب البيت العربي من الداخل، ليعيد له ثقته في ذاته وفي ما حوله، ويملأ ذاته بزاد روحي في ظل الآلة الاستهلاكية التي يعاني من حيفها، مثقف يمد جسور التواصل بأشقائه العرب من المثقفين ليخلص الثقافة من فضائها المحلي الضيق ويمضي بها إلى فضاء أرحب، فلا سبيل للحديث عن المثقف المشرقي أو المغربي (محمد أركون، إدوارد سعيد، إيهاب حسن، عبد الله العروي، المهدي المنجرة، محمد عابد الجابري، وآخرين...)، بل فقط عن مثقف عربي بمشروع فكري عربي، مثقف يعلن عن مبادئه بجرأة، ويقف ضد العدو الصهيوني، ويكشف عن الدور الامبريالي للسياسة الأمريكية في العالم، بغض النظر عن الشعب الامريكي، ويمارس سياسة الضغط على أنظمة الحكم العربي لمقاطعة العدو الصهيوني، بل أيضا، وأساسا، الضغط عليها لنقد الذات ونشدان الديمقراطية لشعوبها، وهي الأنظمة التي كانت، وماتزال، تعمل دائما، على تغييب مثقفيها وتهميش أدوارهم، وإبعادهم عن جماهيرهم. مثقف يتعالى على كل خطابات التبشير والنصرنة والأسلمة ويتبنى خطابا إنسانيا كونيا يؤمن بتسامح الأديان وحوار الحضارات بعيدا عن الحروب والصراعات، مثقف يجمع بين الفكر وقدرة الفعل، فينضوي تحت لواء النضال الفعلي عوض الاكتفاء بإرسال رسائل المواساة والتعزية، مثقف يذود عن هويته وتراثه بحسه العربي الإسلامي مع الانفتاح على الآخر والتفاعل مع العطاءات البناءة، دونما أي إحساس بالدونية، مثقف يقدم للغرب صورة شفافة عن العروبة والاسلام، صورة لم تضرجها يد الأعداء بالدماء.
ما أحوجنا إلى هذا المثقف الطوباوي ليعيد إلى وطننا العربي توازنه، أو لمثقف «الخيال العلمي»، أو لهذا «الإنسان الأعلى»، عند نيتشه، هذا الذي سنظل نبحث عنه بفانوس سحري وننتظر ظهوره بيننا، كما ينتظر آخرون ظهور «المهدي المنتظر».

*كاتبة مغربية