المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رائحة الموت ( قصة قصيرة ) لا شفيع لي إلا محبتي لجازان ...


العباس معافا
17-09-2002, 02:37 PM
رائحة الموت

جلستُ أحدّقُ في الوجوه ، يعتريني إحساس بالفزع ، كل الرؤوس في وجوم ، ترتسم في الوجوه رغبة في البكاء ، لم أكن راغباً في المجيء ، لكنّ شعوراً أرغمني ..
أطلنا الجلوس في حجرة متوسطة الحجم ، توسطها سرير رَقدتْ عليه الجثه ، انبعثت منها رائحة ، أحسستُ برغبة عارمة في البكاء ، لم يكن على الميت ، لكنّه إحساس دفعني إليه تـــخيلي بأنّ الجسد الملقى على السرير كان جسدي ، والوجوه جاءت لتحمل التعازي إلى أهلي .
وأنا أمضغ إحساسي ، رأيتُ جسدي في مكان الجثة ، مستلقيا على سريره ميتا ، أرقب الجمع من مكاني وهم لا يدركون صحوتي ، على هيئتي بقيت ، أقرأ السطور المتلوية من حياتي على شفاههم ، ذلك الرجل المسن أظنني أتذكره وهو يقول : الله يرحمه ، رغم أنه ... ، لكن الله يرحمه .
أخي الصغير رأيته منهكا من صبِّ الشاي والقهوة للمعزين ، دمعتان سقطتْ في فنجان القهوة لحظة تقديمه الفنجان لأحدهم ، لاحظه الرجل فامتنع عن قبولها متحججا بعدم رغبته ، كان أخي قد لاحظ انتباه الرجل ، قذف بمحتوى الفنجان بحركة مفاجئة فـــي فمه وبكى بضحك .
لحظة متابعتي اقترب مني أحدهم ، نازعا الكفن عني ، أغمضت عيني باقترابه ، فاجأني بقبلة على جبيني لم أشعر بها ، انكفأ بعدها عائدا ، كان أبي جالسا بالقرب من جسدي ، لأول مرة أتأكدُ أنه يحبني ، يا الله ...
الوجوه لا تعنيها جثتي ، ذاك الصمت الذي كان طابع المكان تحول إلى جلبة ، تخيلت أني بسوق الثلاثاء ، لا أكاد أصغي لحديث حتى يبدأ أخر ، لم يكن ذاك الصمت إلا نقابا شفافا ، ما فتئ أن انطوي ، كل انقسم إلى فريق ، المسنون ما انفكوا عن طرح قضاياهم ، شيخ القرية لا يبدأ حديثا إلا بقوله : أنا يا جماعة الخير أخاف يوم الحساب ، الأرض أصابها الجفاف ، المطر شحيح ، معي من يشتري أرضكم .
يرد ابن علي : الأرض عرض ، لا أفرط في عرضي ....
قال الشيخ : دعوكم منه هذا ما يعرف مصلحته ..
تصمتُ الوجوه ، ويبقى لسان الشيخ كالحية يسعى ...
في الجهة الأخرى جلس صحبي ، وجوههم لا تتغشاها لحظة الحزن ، مسترقين نظرة لجسدي الملقى ويكملون حديثهم ..
جابر المتحذلق دائما يقول : الموت يا شباب .. ويصمت ..
حسن : ماذا به الموت ؟
جابر : أقصد .. أعني .. أقصد أن الموت حق .
سعيد : أين سنسمر الليلة ؟
حسن : السهرة عند جابر اليوم هذا ..
علا صوت بكاء النساء في الداخل ، صوت البكاء أعاد للوجوه صمتها الشفاف ، كنت أفكر في موقفي لو كنت بينهم ، هل سأهاب الموت ؟ أم أفكر في سهرة الليلة ؟
وكأني الليلة بعينين ثاقبتين ترى دواخل من حولي ، أستشف ما يجول بفكرهم ، أرى زيفا ينتصب أمام العيون ، مَنْ كنتُ لهم صاحبا أرى أني لا أعني لهم الليلة سوى جسد ميت ، كل من حولي لم يجيئوا إلا لممارسة عادة وملء بطن ، ألا يعنيهم الميت ؟ أم لا يعنيهم الموت ؟
ألم يكن لا يعنيني ؟ لكنه جاء .. نعم جاء ، ألا يتخيلون أنفسهم مكاني ؟
حتى النسوة اللاتي أسمع بكاءهن ، الليلة فقط أستطيع أن أفرق بين البكاء والضحك ، هم لا يبكون بل يضحكون ببكاء ، لا أحد يبكي سوى أمي وأختي العانس ، حتى هنا لا أشعر بحزن أحد ، أبي وأخي الصغير يمضغهما الحزن فقط ..
فجأة صحوتُ من تخيلي أنني الميت ، استنشقتُ من الوجوه ذات الرائحة التي تنبعثُ من جسد الميت ، لم أعد أحس بعدها بخاصية قراءة من حولي ...
فكرتُ في الانصراف ، قُمتُ قبل أن تختمر الفكرة ، قدمتُ التعازي لذوي الميت وأنا أنظر إلى الجسد الملقى على السرير ، في عجلةٍ هرعتُ إلى الخارج ، ترامى إلى مسمعي عويل النساء ، أسرعتُ في المشي ، أخذتُ نَفَساً عميقاً مقنعا نفسي بأني لا أزالُ على قيد الحياة ..
أكملتُ طريقي إلى المنـزل ، كانت القرية في نوم عميق غير عابئة بالموت ، كأنـها اعتادت أن تستنشق رائحته فلم تعد تكترثُ .
أثناء مشيي تداعت كل التخيلات إلى عقلي ، لعلني كنت أمارس ذات الزيف ، لكن لأني كنت ميتا لم أشعر بزيفي ، يا الله ..
قفلتُ راجعاً إلى الـمنـزل ، دخلتُ إليه ، على مقعد يواجهُ الباب جلستُ ، انبعثت من المقعد رائــــحة أعـادتني لجلستي في العزاء ، مذعوراً قمتُ ، اتجهتُ لحجرة نومي ، أطفأتُ المصباح ، رميتُ بجسدي المتهالك على السرير ؛ لتعود إلى خاطري صورة الـجـسد الملقى على السرير ، انتابتني قشعريرة ، حاولتُ أن أتفلتَ من أفكاري الـجـنـونـيـة ،ْ جـسـدي أرهقته الأفـــكـــارُ ...
ســأنـــام ..

ربـمـا لــن أصــحُ ... !!




أخـــــــــوكم
العباس معافا

جرح المحبة
17-09-2002, 04:03 PM
سؤال يندلع هنا أوسع من فم ثعبان (موسى) ..
..
ماذا لو نما إلى علمك أنك سوف تموت بعد ساعة من الآن !! ..
لا شك أن البعض سيقول أنني سوف أسعى إلى رضى أمي التي غضبت عليّ ذات صباح حينما لم أطع أوامرها في شراااء حوائج المنزل ..
..
والبعض الآخر سيقول سوف أصل رحمي ، فهناك أبي لم أقم بزيارته منذ انعزلت في حياتي مع زوجتي وأولادي ..
..
والبعض سوف يقول سأعيد ما لحق بذمتي للناس ..
والبعض والبعض والبعض .. أف لهذه البعض !!! ..
..
أما ترى عمرك مؤذنا بالرحيل .. والليالي تمر مر السحاب !!
كيف بك لو دنا الحساب وابتدأت الموازين تتمايل ..
وكيف إذا ابتدأ الغاسلون في تجريدك الثياب .. والأهل تدور أعينهم متفحصة وجوه بعضهم البعض إلا ملامحك ..
وكيف ....!!!!!
..
بلى .. هل للذي يمر هنا على الكلمات الجنائزية في هذه القصة أن يخرج هكذا .. أم أنه سيستمتع بجمال الأسلوب فقط ..
..
حتى النسوة اللاتي أسمع بكاءهن ، الليلة فقط أستطيع أن أفرق بين البكاء والضحك ، هم لا يبكون بل يضحكون ببكاء ، لا أحد يبكي سوى أمي وأختي العانس ، حتى هنا لا أشعر بحزن أحد ، أبي وأخي الصغير يمضغهما الحزن فقط ..

أستطيع أن أقول (هنّ لا يبكينَ بل يضحكنَ ببكاء) .. بدل واو الجماعة لأن الحديث يدور عن النسوة .. ولكن تبقى الروووووعة هنا في هذه البلاغة وهذا الوصف ..
أخي ذات .. قد تتطور الحالة فأقول (هنّ لا يبكين بل يرقصن في المآتم) .. إلى هذه الدرجة تخيل معي !!! ..
..
من الإجحاف أن نمر على هذا النص الراااائع دون أن يعلق في الذاكرة شيء من الوعظ ..

تحياتي لك أخي ذااات ..
-------------------------------------------------
جرح المحبة ..

الفنــان
18-09-2002, 12:56 PM
أخي / ذات
لا تختلف قصتك الجميلة هذه - عن سابقاتها من ناحية الروعة .. فقد أستطعت التقاط مشهد صغير يمر على كثير منا مرور الكرام فجعلت منه حدثا ذات دلالات عميقة .

إن قيمة القصة القصيرة - في اعتقادي - ينبع في كونها تلتقط فكرتها من مشاهد ومواقف يمر بها كل البشر .. فتعيد صياغتها بعمق ليرى من مر بها أشياء لم يكن يتصورها .

وقد وفقت في التقاط الفكرة .

لقد قرأت لك العديد من القصص ., فوجدت هذه القصة خروجا عن المألوف في بقيت أقصوصاتك .. والتي الاحظ إنها تميل إلى الرمز المائل إلى الغموض , وهذه القصة لعلها الوحيدة الاكثر تلقائية ومباشرة .. بالرغم من أيحاءاتها الدلالية الكثيرة .


ربما تكون هذه القصة منعطفا جديدا - لذات - ولا استطيع تحديد الأتجاه , ولكن لعل قصصه القادمة سوف تبين توجه الجديد .


سأكتفي بهذا لانني لست أهلا للنقد , وسوف أترك المجال لمن هم أكثر خبرة مني في هذا المجال .

تقبل خالص الحب والتقدير ,,,

العباس معافا
21-09-2002, 03:56 PM
أخي جرح المحبة ...

كلامك في محله ..

ككاتب أحيانا أسلو كثيرا ...

لكن كل من يقرأ القصة لا بد أن يخرج بقدر أكبر من الوعي ..

أعتذر عن تأخري ...


أخـــــــــوك
العباس معافا

فيافي
22-09-2002, 06:24 PM
أهلا بك من جديد أخي ذات وأهلا بجديدك الذي هو دائماً رائع ...
كما قال أخي جرح المحبة لانستطيع أن نقرأ هذا النص دون أن يعلق في الذاكرة شيء من الوعظ .
وأظن تميز هذه القصة آت ٍ من فكرة أن يحي أحدنا الموت ! فعلا فكرة جميلة، استغرقتني التفاصيل ...ووجدتني أسلك ذات السلوك واسأل نفسي ذات الأسئلة

دمت مبدعاً يا ذات
ودوماً بانتظار مواضيعك

لك تحياتي وتقديري

أختك
فيافي

العباس معافا
22-09-2002, 06:49 PM
أخي الفنان

تأخرت كثيرا ولكن التمس لي العذر ...

ربما لن تصدقني لو قلت لك أن هذه القصة ليست تجربة اخيرة ، كتبت هذه القصة قبل اعوام ، وتركتها خارج مجموعتي ، لكني وذات قراءة استعدت بناء هذه القصة بفكرة جديدة قديمة ، فكانت كما هي ..

اشكرك على توقفك في قصتي ..



لك احترامي ..

أخــــــــــوك
العباس معافا

العباس معافا
25-09-2002, 04:02 AM
أخي جرح المحبة
أشكر لك قراءتك لقصتي ..
البعض الآخر سيقول سوف أصل رحمي ، فهناك أبي لم أقم بزيارته منذ انعزلت في حياتي مع زوجتي وأولادي ..

لا بد أن يخرج القارئ بكم هائل من الدروس وربما يكتشف العكس ...



أخــــــــــوك

اليتيم
25-09-2002, 04:35 AM
والأجمل تذكر الموت

أخى ذات أجد فى روحك القصصيه معايشة الواقع000000 !!

يدل ذلك على انسانيتك000 وأصلك000

ذات أنت جميل 00000 عظه !!!!

وأتمنا لك من كل أعماق القلب التوفيق فى حياتك وآخرتك

وأعان الله والدك الذى أتمنا أن يشفيه ويعيده لأسرته سالما معافا
وتقبل تحياتى أخوك اليتيم

العباس معافا
30-09-2002, 02:15 AM
أخت فيافي ..

أشكرك على استمتاعك بقراءة قصتي ..

أتمنى لد التوفيق في حياتك العلمية والعملية ..


أخــــــــــوك
العباس معافا

عبدالله إدريس
01-10-2002, 01:12 AM
مرحبا بك اخي العباس
كم اتمنىأن ينبري من يتناول مثل هذا الإبداع بالدراسة
بأسلوب نقدي يمكننا من الوقوف على مواطن الجمال في مثل هذا النص
بشكل أفضل وأدق ويتسنى للأقلام الناشئة في مجال القصة القصيرة
تحقيق الفائدة من هذه التجارب .

تحياتي

اخوك

عبدالله إدريس